على هامش سنة ابن خلدون: صالح بن عبد الجليل جريدة الشعـــــــــب السبت 11 أوت 2007
كتبهاالمشرف ، في 21 أكتوبر 2007 الساعة: 16:30 م
صالح بن عبد الجليل
هو عبد الرحمان بن محمد بن خلدون الزيتوني تعلما التونسي نسبة العاصمي موطنا الحضرمي اليمني أصالة، هذا الاسم الكبير الحائز لهذا الحجم العظيم في الفكر والسياسة والمعرفة والثقافة الاصيلة والمنطق السديد، قد انحدر من سلالة عربية لها أمجاد عريضة وعريقة في التاريخ.
- I مدتها (24 سنة الاولى من حياته الحافلة) قضّاها في موطنه الاول اي مسقط رأسه الذي انزاد فيه عام 732 هـ وهو تونس العاصمة الحفصية في المدينة العتيقة ما يعرف الان بنهج تربة الباي في غرة شهر رمضان المعظم بنزول القرآن الكريم، وقضى طفولته معززا في حضن أبويه الكريمين اللّذين جلبا له معلما خاصا لتحفيظ القرآن وتعليم مبادئ اللغة والدين، ثم اقبل على الدراسة بمعقل الثقافة الاصلية جامع الزيتونة الاعظم المنتصب بشموخ وسط المدينة وأسواقها العريقة فأتقن علوم الدين والعربية وأدبها وتضلع في فنون الشعر والنثر والتاريخ والاجتماع وكان مولعا جدا بمطالعة أمهات الكتب للمزيد من تعميق المعرفة وارادة التصحيح والتنقيح والمقابلة حتى صار من اعلم شباب زمانه واترابه وأقدرهم على المجادلة والتعامل الفكري والسياسي مع كل المستويات… وما لبث ان انخرط في وظائف الدولة وتراتيبها عن رغبة واقتدار حيث قلّده السلطان ابراهيم الحفصي خطة الكتابة الخاصة فقام بها وبما يلزمها من سرية وتكتم وتنظيم دقيق احسن قيام رغم حداثة سنّه.
- II مدتها 26 سنة قضاها متنقلا بين المغرب الاوسط (الجزائر) والمغرب الأقصى (المملكة المغربية) والاندلس (اسبانيا) الآن، وذلك انه عندما طارت شهرته وذاع صيته في حذق التراتيب الادارية والتشريفات السلطانية وقواعد التوسط والمجادلة لحل المسائل السياسية المستعصية التحق بالسلطان أبي عنان المريني في (فاس) عام 755 هـ فأصبح من رجال دولته البارزين ولما مات أبو عنان استعمله خلفه على كتابة سره فقام بالمهمة القيام الأمثل بعد عدة سنوات اجتاز البحر ودخل الاندلس فأنزله سلطانها من بني الأحمر في قصره الفخم بغرناطة وأكرمه غاية الاكرام، وقد اختص به في هذه المدة الوزير لسان الدين ابن الخطيب اختصاص الاخ بأخيه، وفي سنة 765 هـ سار الى صاحب قشتالة، لإبرام عقد الصلح بينه وبين سلطان المغرب بهدية فاخرة فاستقبله بإشبيلية وعامله بالاكرام الفائق، وقيل انه طلبه للإقامة عنده لفرط إعجابه به فامتنع وأصرّ على العودة فزوّده بهدايا ثمينة ورجع الى غرناطة وبعد مدة قصد صاحب (بجاية) بافريقية فاحتفل به وقلدّه أعمال دولته ولم يزل مؤرخنا يتنقل بالبلاد المغاربية من أمير الى آخر وكل سلطان ينزل عنده يكرم مثواه ويعظم شأنه ويكلفه بمهمات ملكه الى ان نزل بأهله في قلعة (بني سلامة) بالمغرب الاوسط (الجزائر) 776 هـ فأقام بها أربع سنوات متخليا عن شواغل السياسة، وفي هذه القلعة شرع في تأليف كتابه التاريخي الاجتماعي الجليل القدر الذي هو: (ديوان المبتدأ والخبر في اخبار العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر) وأنجز (مقدمته) في كتاب مستقل ولكنه عظيم القدر عميق المحتوى بديع الاسلوب محكم التبويب شامل المعنى واللفظ محيط بكل شيء مهم، احاطة تدل على صفاء فكرة صاحبه وتوقّد ذهنه وسلامة ذاكرته، فجاء بدعة بين كل الكتب والمصنّفات، حتى قال فيه واصفه بحق:
(انظر كتاب خلاصة تاريخ تونس ح . ح عبد الوهاب ص 121 و 122 ط 1952).
- III هذه الفترة الاخيرة من حياته رحمه الله ومدتها 24 سنة قضى أغلبها في مصر وفي القاهرة بالذات بين التدريس والتأليف والقضاء، وذلك انه بعد ان اهدى كتابه النفيس الى السلطان الحفصي اشتاقت نفسه الى الحج والرحلة الى المشرق بعد ان عاش وساح متنقلا بين اقطار المغرب الاسلامي الفسيح فقصد سنة 784 هـ أرض الكنانة مصر عن طريق البحر ونزل بميناء الاسكندرية ثم التحق بالقاهرة وتصدر المجالس يبث العلم فأقبل عليه الطلبة من كل فجّ وصارت مكانته بينهم لا تضاهى فاتصل شأنه بسلطان مصر الطاهر برقوق فأكرمه وأحسن مثواه وولاه قاضي قضاة المالكية بالبلاد المصرية فقام بها احسن قيام وعدل في القضاء وأنصف المظلومين من الظالم وسدّ أبواب الفساد ونشر العدل في البلاد وفي هذه الفترة قدم أهله من تونس وقبل ان يرسو بهم المركب اصابته ريح عاتية هوجاء عنيفة قاسية أغرقت السفينة بمن ما فيها تماما وغرق أهله وولده قبل ان يكحل نظره برؤيتهم بعد غربة وفراق وشوق شديد.
وقد صدق الشاعر في قوله:


وحتى مؤرخنا المرحوم عثمان الكعاك له كتاب بعنوان (العرب وابن خلدون) أحسب انه صدر في الخمسينيات ضمن سلسلة (كتاب البعث) التي أوقفت ظلما وعدوانا ـ المهم هنا ان ابن خلدون وهو التونسي المعتدل المتسامح بريء من هذه التهمة، تهمة الشعوبية ضد العرب بالمرة غاية ما في الامر انه كان في تجواله عبر المهام التي قام بها في جميع أرجاء المغرب الاسلامي والاندلس يشاهد ويعاين الخراب والفساد اللذين تقوم بهما بعض القبائل من الاعراب الرحل فوصف ما رآه وحلله واستخلص منه فلسفته وعلمه الجديد، علم الاجتماع وفلسفة العمران البشري، وواضح ان ابن خلدون لا يعني العرب فقط بل كل البدو المتنقلين الرحل من البربر، قبائل (زناته) وكتامة وصنهاجة ومن الاعراب بنو سليم وبنو هلال ورياح، فالمشكلة اذن هي بين البداوة والحضارة لا بين العرب وغيرهم من الاقوام فكلما كان عنصر البداوة قائما ومتمكنا كان الجهل بالقيم والاشياء وبمكانة الانسان وحقوقه ومكاسبه متمثلا في سلوك الناس لان من جهل شيئا عاداه ومن عاداه داسه ودمره وأتلفه، وهذا ما كان من الاعراب الرحل والقبائل البدوية سواء الزاحفة من صعيد مصر يدفعها الفقر والجهل ويقودها الطمع فيما مناها به الخليفة الفاطمي المعز الحاقد والناقم على السلطان الصنهاجي الذي استخلفه في تونس فلم يكن عند حسن ظنه وأعلن استقلاله بدولته او قبائل البربر المتنقلة في ربوع شمال افريقيا تعاني من عدم الاستقرار وتحمل الحقد على كل اصحاب ومظاهر النعمة والترف وعلامات الرفاهة ورغد العيش الذي حُرموا منه بحكم ترحالهم وفقرهم فكان ما كان من تخريب القصور وإتلاف المرافق وتدمير صور الحضارة واظهار الفساد والافساد في الارض وفرّ أهل القيروان الى تونس وسوسة وعمّ النهب والعبث في البلاد وهلكت الضواحي والقرى العامرة بأهلها مثل رقادة والمنصورة، فوصف ابن خلدون كل ذلك بأمانة وجاء بعده المؤرخون ورفعوا شأن ابن خلدون وأعلوا ذكره وأشادوا بمقدمته ونقلوها الى لغاتهم المختلفة لأن ما فيها وخاصة الباب المعنون بالعمران البدوي، صادف هوى في نفوسهم واستجاب لما يضمرونه من حقد دفين وكراهية معمقة لكل العرب والمسلمين فراحوا ينفثون سمومهم بقدمائهم ومحدثيهم وأعلنوا مناحة كبرى على مصير البلاد والعباد وما آل اليها أمر حضارة الرومان في المنطقة وها هي النجدة والاسعاف يأتيان لانقاذ ما تبقى على أيدي الجيوش الفرنسية الزاحفة منذ مطلع القرن 19 هـ على شعوب وبلدان الجزائر وتونس والمغرب الاقصى والجيوش الايطالية من رومة الزاحفة على ليبيا حتى الحدود المصرية وأخذ عنهم هذه الترهات والمهازل العدائية مسلمة تلاميذهم ومريدوهم من كتاب ومؤرخي العرب المسلمين المغرورين حتى الاعماق بما عند الغرب من كل شيء (ويأبى الله الا ان يتم نوره ولو كره الكافرون) 32 التوبة، والكلمة الاخيرة والعليا والعزة الحقيقية والنصر والتمكين لله ولرسوله وللمؤمنين رغم الداء والأعداء.
صالح بن عبد الجليل
أستاذ متقاعد
© 2007 جريدة الشعــــــب - جميع الحقوق محفوظة
http://www.echaab.info.tn/rubrique.asp?Rub_ID=682&Date=20070811
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : إصلاح ديني, تاريخ تونس, حركة الإصلاح, دين ودنيا, فكر و معارف, مقالات في جريدة الشعب 2007 | السمات:فكر و معارف, مقالات في جريدة الشعب 2007, إصلاح ديني, تاريخ تونس, حركة الإصلاح, دين ودنيا
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























