شهادات زيتونيين بمؤسسة التميمي للبحث العلمي و المعلومات

فبراير 9th, 2009 كتبها المشرف نشر في , إصلاح ديني, تاريخ تونس, تربية و تعليم, حركة الإصلاح, شهادات و ذكريات, مقالات لكتّاب آخرين

شهادات زيتونيين بمؤسسة التميمي للبحث العلمي و المعلومات
مئذنة جامع الزيتونة

مئذنة جامع الزيتونة

«التعليم الزيتوني»

لجان الانتداب بالجامعة التونسية لم تعترف بـ «التحصيــــل» و «السربـــون» قبلتهــما!

قدّم الأستاذ محمد الحبيب الهيلة أحد الأساتذة الزيتونيين ملامح عمّا عايشه بخصوص ملف «مؤسسة الزيتونة» قبل الاستقلال وبعد قيام الدولة التونسية الحديثة. واحتضنت مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات هذه «الشهادة» وأبرز الدكتور عبد الجليل التميمي في بداية الجلسة ان «الزيتونة» لم تحظ بوقفة تأمل تعكس تاريخها الحقيقي قبيل الاستقلال والمصير الذي آلت اليه بعد ذلك. وأضاف التميمي في ورقة قدّمها للجلسة ان المواقف والآراء تضاربت حول «الزيتونة» سواء أكان ذلك من دعاة المحافظة علىها أو من المنادين بالقضاء عليها وقبرها تماما انطلاقا من قناعات كلا الفريقين، وقد أثار أكثر من متحدث على منبر الذاكرة الوطنية مصير الزيتونة وموقف الرئىس الحبيب بورقيبة الذي آمن وعمل منذ اللحظة الاولى على وقف هذه المؤسسة التربوية القروسطية والتي يعتبرها أحد رموز التخلّف الفكري للمجتمع التونسي، ولم يقبل على الاطلاق المحافظة حتى على التسمية عندما اقترح عليه السيد أحمد بن صالح انبعاث جامعة الزيتونة احتراما ووفاء لتاريخها ودورها الحضاري المتألق في الماضي.
* مواكبة واستنتاجات
يذكر ان الاستاذ محمد الحبيب الهيلة واكب مختلف هذه المواقف وكان على علاقة شخصية برموز الزيتونة من مشايخ وأساتذة ومسؤولين إداريين وقد حصلت لديه بعد أكثر من 60 سنة من التأمل التاريخي قناعات وتفكيرات عميقة. والأستاذ الهيلة ذو سمعة عربية ودولية فهو من الزيتونين الذين تحصّلوا على كل شهادات الزيتونة وآخرها «العالمية» ثم تحوّل الى باريس ليعدّ دكتوراه الدولة في جامعة السربون والتي ناقشها سنة 1976 ودرّس في كلية الشريعة وأصول الدين خلال 18 سنة والتحق بجامعة أم القرى بالسعودية بقسم الدراسات العليا التاريخية والحضارية كما أشرف على العشرات من رسائل الماجستير والدكتوراه في كلا الاختصاصين.
* زيتوني حتى النخاع
«كنت زيتونيا.. وعشت حياتي كلّها زيتونيا… وأشعر ان ما قيل عن الزيتونة والزيتونيين فيه الكثير من المغالطات والافتراء… واليوم أجد «الشعور الزيتوني منتشرا بين الطلبة وغيرهم.. هكذا بدأ الأستاذ الهيلة شهادته، مشيرا الى انه دعي خلال السنوات الأخيرة الى إلقاء محاضرة في كلية الأداب بمنوبة حول قضية الاصلاح في تونس منذ بداية القرن العشرين وقد تفاجأ عندما جعله الحوار والنقاش مع الطلبة يستحضر ماضيه «الزيتوني» حيث كان الحوار وكأنه بين «زيتونيين». وأفاد الأستاذ الهيلة أنه كان يناضل من أجل تفنيد ما تتهم به الزيتونة وأشار الى ان ما أداه ثقافيا في حياته الجامعية والتدريسية هو ما رآه من تعمّد بعض الشهادات على انتهاج خط حزبي ولم تكن الشهادات بذلك… حقيقية وكانت مليئة بالدسائس والاتهامات المجانبة للصواب. استعاد الاستاذ الهيلة بداية حياته الدراسية وقال انه دخل الى الفرع الصادقي (الصادقية الصغيرة) بعد ان توسط احد المتنفذين آنذاك لوالده في ذلك بين سنتي 1936 و1937 ولما بلغ السنة السادسة من الدراسة وبمناسبة الزيارة التي أداها المنصف باي لإعادة فتح الصادقية سنة 1942 حدثت حادثة غيّرت مساره الدراسي فجأة من التعليم الصادقي الى التعليم الزيتوني ذلك انه كان يُلزم نظافة الهندام والأحذية عند زيارة الباي للمدرسة ولكن أحد أصدقاء الهيلة ترك أثرا على حذاء هذا الأخير مما دعا حارس المدرسة الفرنسي ذا الضخامة المشهورة «لُوك» الى المناداة عليه وصفعه صفعة قوية جدّا. ومن تلك اللحظة رفض الهيلة مواصلة التعليم الصادقي واختار بمحض إرادته التعليم الزيتوني برغم ما أبداه والده من حرص على ان يتم تعليمه الصادقي. وتحدّث الهيلة عن بداية تعليمه بـ «الزيتونة» مشيدا ببلاغة وفصاحة الأساتذة والمدرسين وقدرتهم على ابلاغ القضايا والأفكار بأسلوب بيداغوجي منهجي ومدروس.
* اتهامات باطلة
وقال الهيلة انه ما عرف طيلة دراسته الزيتونية اي نوع من أنواع التعصّب وأكد وجود حالة من التسامح وذكر في هذا الصدد أجواء الاريحية والحرية «عند الأذان كنّا نخرج من الزيتونة والشيخ المدرّس كان يرانا ويصمت.. المجتمع الزيتوني كانت له صفات غير ما كُتب عنه ووصف به». وأضاف الأستاذ الهيلة: «بقيت الى سنة 1950 في الزيتونة وعايشت أشياء كثيرة ومنها تأسيس صوت الطالب الزيتوني التي عاش فيها دون ان يكون من بين البارزين ضمنها، وقال إنه شارك في المناظرة الاولى لانتداب مدرسي الزيتونة التي شارك فيها 700 مترشح لـ 24 خطة ونجح في تلك المناظرة وكان عمره حينها 20 سنة. وقال الأستاذ الهيلة ان خلافه وعدم اتفاقه مع الأستاذ عبد الرحمان الهيلة (من أقاربه) كان احد أسباب ابتعاده عن «صوت الطالب الزيتوني».
* المشيخة والسربون
وبدأ الهيلة مرحلة التدريس في ولاية القصرين وكان يواظب على مواصلة دراسته الى حين حصوله سنة 1958 على «العالمية» وفي أوائل الستينات من القرن الماضي رفع الهيلة ملّفه للجان الانتداب بالجامعة التي قال بعض أعضائها: «ان مثل هذه الشهائد الزيتونية اي التحصيل والعالمية لا تساوي شيئا على الاطلاق! وذكر الهيلة في شهادته انه أخذ نفس الملف الى باريس (السربون) والتقى الدكتور بيلار الذي فاجأه بقوله: «أتريد ان تأخذ العلم مني وأنت زيتوني!» في إشارة تقدير للكفاءة العلمية للزيتونيين، فقال له الهيلة: «أريد ان آخذ عنك المنهجية.. فقبل بيلار تأطير الهيلة لشهادة أطروحة الدولة. وقال الهيلة ان من المفاهيم التي يجب تصحيحها ما علق بصفة «المشيخة» من سلبيات على اعتبار انها أضحت ترمز الى «شيوخ زوايا الاولياء» و»شيخ التراب الجغرافي» في حين انها في الاصل صفة لـ «شيخ العلم». وانتقد الهيلة ضاحكا الطريقة التي تقدّم بها مؤسسة التلفزة والاذاعة «الشيخ» عبر توجيه الاساءة الى أصحاب «العمامة» بما في ذلك من محاربة وتحقير والحقيقة ان من يتابع تاريخ الحركة الوطنية يرى انها ليست تلك هي المنزلة والمكانة التي كان يحتلها «الزيتونيون». وقال الهيلة ان بعض من يدّعون الانتساب الى «التعليم العصري» نعتوا الزيتونيين بالخونة وهذا غير صحيح بالمرة والتاريخ شاهد على ذلك. وأضاف: «لنا من الوثائق والبعض منها من الإدارة الفرنسية وبإمكاننا ضبط قائمة في الخونة والعملاء..». وانتقد الهيلة تصريحا لأحد المؤرخين مؤخرا أشار فيه بالقول: «لما جاءت استفاقة المجتمع التونسي كانت تلك هي الظرفية لتأسيس جماعة الصادقية وأتت بالصادقية.. وأكد الهيلة ان دخول «التونسيين» في مثل هذه الانقسامات زيتوني / مدرسي مقصودة وغير بريئة وهدفها شق وحدة الصف الوطني.

منقول عن صحيفة الشروق التونسية بتاريخ
1.2.2009

—————————————————–

في مؤسسة التميمي: المسعدي «عاقب» الزيتونيين، وبن صالح… «خفّف عنهم»!

استعرضنا في عدد الأحد ملامح من مسيرة أحد «الزيتونيين» وهو الاستاذ محمد الحبيب الباهي، وهي المسيرة التي حملت تفاصيل عن تطوّر النظرة الى «التعليم الزيتوني» والسعي الى التقليص منهم بعد الاستقلال أو على حد عبارة صاحب الشهادة: «الزيتونة عرفت صوتها بعد الاستقلال… وحتى من بقي من الزيتونيين بقي في اطار الوظيف الديني أي الافتاء».
ونواصل اليوم استعراض بقية الشهادة التاريخية التي قدّمها الاستاذ محمد الحبيب الباهي التي ألقاها على منبر مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات.

وممّا رواه الباهي أنه كانت هناك سياسة ممنهجة للقضاء على «التعليم الزيتوني» تحت عدّة شعارات كان من بينها «توحيد التعليم» وكذلك نعت الزيتونيين بـ «المتخلفين» و»أصحاب العمائم».
وذكر الاستاذ الباهي أن عدد طلبة «الزيتونة» وفروعها كان سنة 1950 في حدود 16 ألف طالب منهم 10 آلاف في العاصمة لوحدها وبعد الاستقلال بدأ هذا العدد في التراجع الى أن بلغ ح
المزيد


مقالان بجريدة الشعب - فيفري 2006

يونيو 3rd, 2008 كتبها المشرف نشر في , إصلاح ديني, تاريخ تونس, تربية و تعليم, دين ودنيا, مقالات في جريدة الشعب لسنة2006

مقالان بجريدة الشعب - فيفري  2006

صالح بن عبد الجليل

- جريدة الشعب  - 4/2/2006 - وجهة نظر : ما هو الحلّ ؟


المزيد


من شعر الجهاد في الأدب التونسي الحديث

مارس 25th, 2008 كتبها المشرف نشر في , إصلاح ديني, تاريخ تونس, تربية و تعليم, حركة الإصلاح, دين ودنيا, شهادات و ذكريات, فكر و معارف, مقالات في جريدة الشعب 2007


جريدة الشعـــــــــب                         وثائق                    السبت 8 أفريل 2007


من شعر الجهاد في الأدب التونسي الحديث

 


     أبو القاسم الشابي

صالح بن عبد الجليل

المقصود بالأدب التونسي الحديث هنا ما أنتجته القرائح التونسية من شعر ونثر في القرن 20) في حياة كل الشعوب كما في حياة الافراد ـ ايام مشهودة لها توهّج خاص وتميز واضح كاليوم التاسع من شهر افريل 1938 فانه عند الشعب التونسي بأكمله يمثل ذكرى خالدة لحوادث دامية واستشهاد صادق في سبيل الله والوطن، علما بأن الوطنية الصادقة والجهاد في سبيل الله يكملان بعضهما فهما وجهان لعملة واحدة.
ولذلك ورد في الاثر (حب الوطن من الايمان) والا لما دمعت عينا المؤمن الاول نبيّنا محمد عليه الصلاة والسلام وهو يخرج من موطنه ومسقط رأسه مضطرا وباحثا عن النصر لدعوته السمحة وشرعه القويم، ان يوم 9 افريل 1938 الموافق 1356 هـ كان مسرحا لحوادث مفزعة وفواجع مؤلمة خاضها الشعب التونسي في شوارع العاصمة بصبر وايمان لنيل احدى الحسنين: النصر على الاعداء أو الاستشهاد في سبيل الله ضد قوى البغي والاستبداد والتسلط الاستعماري البغيض وحين يجدد شعبنا الكريم هذه الذكرى الخالدة ويترحم على شهدائه البررة الذين سقطوا في ميدان الشرف منادين بالحرية وحياة العزة والكرامة في ظل حكومة برلمانية عادلة ورشيدة لا ينسى في هذه الذكرى الأليمة ما وقع لفلسطين الجريحة في مثل هذا اليوم من عام 1948 وهي مذبحة «دير ياسين» الشهيرة على ايدي شذاذ آفاق العالم ومجرمي الدنيا قاطبة الذين لعنهم الله والناس أجمعون (لُعِنَ الذين كفروا من بني اسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) المائدة 78 كما لا ينسى النكبة الكبرى لبلاد الرافدين في يوم 9 افريل 2003 يوم سقطت بغداد الباسلة في يد الطغاة المجرمين من حكام امريكا وبريطانيا الذين أخذتهم العزة بالاثم فنسوْا بل داسو كل حقوق الانسان ومبادئ الحرية والديمقراطية التي يدعونها في بلادهم، فرحم الله أرواح كل الشهداء والمجاهدين الصادقين في ارض العروبة والاسلام الذائدين عن دينهم وعرضهم واستقلال أوطانهم (ولله العزة ولرسوله وللمؤمين ولكن المنافقين لا يعلمون) 8 ـ المنافقون ـ (ولا تحسبن الذين قتلوافي سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون…) 169 آل عمران. (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون) ابرهيم 42 ـ ولما كان الأدب عموما، والشعر على وجه الخصوص يمثل مرآة حياة الأمة وسِفْر تاريخها وسجل احداثها وامجادها، ذلك ان الشعر البديع هو من الشعور الصادق الذي يغمر الفؤاد فيهزه سرورا أو حزنا ورغبة أو رهبة، وحماسا وفخرا…
وهذا هو الشعر المملوء حكمة وصوابا والمطرّز عبرا وأمثالا وذلك هو الشعر الذي عناه سيد البلغاء ورافع قدر الشعراء المؤمنين عليه افضل الصلاة والتسليم حين قال: (إن من الشعر لحكمة) والحكمة ليست بالامر الهيّن اليسير او المتناول للجميع (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) 269 البقرة، ورحم الله أبا القاسم الشابي نابغة الادب التونسي الحديث وشاعر النخبة الزيتونية الاصيلة في هذا العصر حين قال:

«شعري نفاثة صدري   إن جاش فيه شعوري

لولاه ما انجاب عني  غيم الحياة الخطير

ولا وجدت اكتئابي   ولا وجدت سروري

به تراني حزينا   أبكي بدمع غزير

به تراني طروبا   أجر ذيل حبوري   

… الخ


من ديوانه الوحيد الذي جمعه بنفسه وباغتته المنية قبل طبعه وبعد ان سماه (أغاني الحياة) (ت 1934) ولما كان الشاعر الصادق هو من يمثل قلب الامة النابض وصوت الشعب الصارخ يصدع بشكواه ويحمل آلامه وآماله ويثيره ضد الظلم والطغيان وفساد الاوضاع حين يصدر نغماته التي تحرّك السواكن وتحيي في النفوس أحلامها العذبة وأمانيها الجسام فتنبعث في سبيلها غير عابئة بشيء فيحق الجهاد ويحلو الفداء وتهون التضحية فتكون النتيجة انتصار الحق المغصوب على الباطل الزهوق لأن هذا الاخير يعيش ويتعاظم في غفلة الاول عنه، لما كان كل ذلك كذلك، كان حتما وجود علاقة عضوية بين الشعر التونسي خلال المرحلة الوطنية العصيبة وبين الاحساس الحاد بالغضب نتيجة القهر والآفاق الغارقة في (صدام الدم) مع الأوغاد المعتدين ومن ساعدهم من الرجعيين والمنافقين، على ان (صدام الدم) في الكفاح التحريري الوطني التونسي يعود الى اواخر القرن 19 لما انزعج الشعب التونسي المغلوب على أمره من غَزْوِ بلاده واقتحام جند ا

المزيد


الذكرى 53 لمظاهرة صوت الطالب الزيتوني

فبراير 23rd, 2008 كتبها المشرف نشر في , إصلاح ديني, تاريخ تونس, تاريخ نقابي, تربية و تعليم, حركة الإصلاح, مقالات في جريدة الشعب 2007

جريدة الشعـــــــــب              وجهات نظر                 السبت 17 مارس 2007

في إحياء الذكرى 53 لمظاهرة صوت الطالب الزيتوني



الشيخ الفاضل بن عاشور

وفاء للشهداء وتأصيل للتاريخ الوطني

صالح بن عبد الجليل 

شهر مارس من كل عام شهر احتفالات الشعب التونسي بذكرياته المجيدة وأعياده الوطنية التي بلغها بعد تضحيات متواصلة ونضال مستمر مدة ثلاثة أرباع قرن وزيادة … ومن الأيام المشهودة في شهرمارس يوم نصفه 15 مارس 1954 انه يوم مشهود في منظومة النضال الوطني المشرف للشعب التونسي بكل فئاته الحيّة وفي مقدمتها الطلبة والتلاميذ، ذلك النضال الذي أدى الى الحرية واستقلال البلاد بكل مؤسساتها وترابها عن سيطرة الاستعمار واستغلال عناصره بمكاسب الشعب المكدود وابتزازهم لثروة البلاد وأراضيها ومناجمها وهيمنتهم على مؤسساتها التعليمية الرسمية وتوجيهها وفق السياسة الاستعمارية الغاشمة والهادفة الى تدمير هوية البلاد وشعبها وتحريف تاريخها وتمزيق وحدتها وسلخها في النهاية عن عروبتها ، ودينها ليسهل ابتلاعها وذهاب ريحها كما جرى بصقلية والأندلس اللتين تشهد آثارهما الزاخرة الآن بما تم فيهما من حضارة إنسانية ونهضة عامة أقامها المسلمون وارتحلوا ولسان حالهم يقول:


(تلك آثارنا  تَدُلّ علينا .. فانظروا بعدنا الى الآثار)


إن لمنتصف شهر مارس من عام 1954 منزلة عظمي وموقعا متميزا في الذاكرة الوطنية عموما وفي ذاكرة كل أبناء جامع الزيتونة وفروعه من طلبة وتلاميذ ومدرسين كانوا يومذاك يملؤون  ساحة النضال الشعبي للذوذ  عن مقدسات الأمة في مجال التعلم والتعليم والسياسة والاجتماع في المدن والأرياف في العاصمة وبدواخل  الجامع الأعظم وفروعه التي بلغ عددها في 1950 (25 فرعا) في كامل المملكة بشرق الجزائر تستوعب من الشباب العربي المسلم المتعطش لنور العلم والمعرفة في ظل الحرية والكرامة ما يزيد عن (20 ألف طالب) (انظر ص 212 من كتاب الحركة الأدبية والفكرية في تونس…) في حين كان تعداد كامل الشعب التونسي في ذلك الوقت لا يتعدى  2 مليون ونصف نسمة فما أروعهم في ذلك اليوم الأغر من تاريخ التعليم الزيتوني في عهد الاحتلال فكأنني أرمقهم  وهم يتدافعون بالمناكب تغصّ بهم أبواب الجامع الأعظم وتكتظ ساحاته وعرصاته منسابين  من فروع العاصمة فرع صاحب الطابع والجامع  اليوسفي والحفصي ومدارس سكناهم كمدرسة الجامع  الجديد بحي الصباغين والمدرسة السليمانية والحسينية الكبرى داخل المدينة العتيقة وهم ينساقون في ازدحامهم المتزايد يحملون لافتاتهم المنادية ببعث تعليم زيتوني قومي عصري في مبان حديثة يعيد للشخصية التونسية المسلمة كرامتها وللأمة الاسلامية عزّها وسيادتها فما أروعهم ينسابون وأصواتهم مرتفعة في عنان السماء بالتهليل والتكبير والهتاف بالشعارات الوطنية والمطالبة للحكومة بتنفيذ وعودها في اقامة مبان جامعية كبرى تؤوي هذا التعليم الاصيل عوض المساجد المجعولة أساسا للصلاة وعبادة الشعب الكريم لله رب العالمين وتمكين تلاميذ الآفاق والدواخل القادمين الى العاصمة  لاستكمال تعلمهم الزيتوني الذي بدؤوه بفروع جهاتهم، تمكين هؤلاء التلاميذ من حق السكنى بأماكن صحية مجهزة بما يحفظ الكرامة ويعين على التعلم في ظروف لائقة تقود مسيرتهم هذه وتنظم تحركاتهم وتتكلم باسمهم لدى  السلطة هيئتهم  الرسمية المنبثقة منهم واسمها لجنة (صوت الطالب الزيتوني) التي أسست في آخر الأربعينات على تقوى من الله ورسوله برعاية زعيمهم الشيخ الفاضل بن عاشور الذي كان آنذاك يرأس المنظمة الشغيلة الأم (الاتحاد التونسي للشغل) الناطقة والمدافعة عن حقوق كل الشغالين التونسيين بالساعد والفكر  الى اليوم والتي تكونت بمساعي رواد الحركة النقابية يقودهم الشهيد الخالد فرحات حشاد في 20 جانفي 1946 في اجتماع تأسيسي مهم في رحاب معهد الجمعية الخلدونية التي يديرها الشيخ الفاضل المذكور (انظر تفاصيل كل هذا في ص 13 من جريدة «الشعب» عدد 812  السبت 7 ماي 2005 .
وتوجهت تلك المظاهرة الطالبية الخالصة نحو ساحة الحكومة بالقصبة وبالذات الى وزارة الشؤون الاسلامية مطالبة من خلالها حكومة الباي بتنفيذ ما وعدت به الطلبة والتلاميذ من حقوق مشروعة وأساسية وعادية جدا بمقياس الدراسة والتعليم اليوم ، وما أن وصل المتظاهرون الى الساحة حتى وجدوا البوليس الاستمعاري يحتلها ليمنعهم من الوصول الى غايتهم وتبليغ مطالبهم الى من يهمه الأمر، فأصر المتظاهرون على مطالبهم وصدرت الأوامر الى جندابليس بإطلاق النار على التلاميذ العزل إلا من أصواتهم المادية بحقهم وفعلا نطق البارود إظهارا للقوة الباغية وفرضا لإرادة الحاكمين الطغاة فكانوا بحق ينطبق عليهم قول الشاعر

أسد عليّ وفي الحروب نعامة        
فدخاء تفر من صفير الصّافر 


وما هي إلا لحظات حتى سقط في ساحة الشرف والفداء شبلان من أشبال الزيتونة هما المرحومان محمد الدهماني ومحمد المرزوقي اللذين استشهدا بين أيدي  زملائهم الذين التفوا بهما وحملوهما  الى المدرسة اليوسفية مدرسة الجامع الجديد بالصباغين وجرح وقبض على خلق كثير منهم … وإثر هذه المظاهرة الأليمة أخذت الأمور تتعقد وتسوء في سير التعليم الزيتوني بالتحريض على الاضراب عن الدروس والدخول في كفاح عنيف مع الحكومة المصابة  بالصمم  إزاء الحق المشروع والمتذرعة بالتسويف والمماطلة ربحا للوقت ومغالطة للشعب، وفعلا أعلن الاضراب العام عن الدروس في كامل التعليم الزيتوني بالعاصمة والداخل وقوي في التلاميذ والطلبة الاعتداد بأنفسهم كما قوي في الأمة الاعتداد بهم واتسع الأمل في الانتصار على ايديهم وبلوغ النهضة الثقافية العصرية المتكاملة التي هي المطلب الاساسي من سير الاصلاح الزيتوني برمته منذ مطلع القرن 20 والذي كان شجى في حلق الاستعمار لأن اتجاه السياسة الاستعمارية منذ احتلال فرنسا، لتونس إنما كان لغاية معروفة ومدروسة هي سدّ أبواب التطور

المزيد


كتاب اعلام من الزيتونة تأليف الشيخ محمود شمام/ جريدة الشعب السبت 27 جانفي 2007

نوفمبر 19th, 2007 كتبها المشرف نشر في , إصلاح ديني, تاريخ تونس, تربية و تعليم, حركة الإصلاح, دين ودنيا, فكر و معارف, مقالات في جريدة الشعب 2007

جريدة الشعـــــــــب                  وجهات نظر                  السبت 27 جانفي 2007

منارة جامع الزيتونة

قراءة في كتاب أعلام من الزيتونة تأليف الشيخ محمود شمام


 صالح بن عبد الجليل

على الرغم من الرحلة المضنية والثرية التي قطعها من عمره الطويل، شيخنا الوقور محمود بن البشير شمام المولود بالعاصمة التونسية في شهر محرم الحرام سنة 1331 هـ الملاقي (حسب قوله) شهر ديسمبر 1912 م وقضاها في عرصات المحاكم وعلى منصات القضاء التونسي بمختلف درجاته من الابتدائي الى التعقيب، في عدة مدن وجهات تونسية اخرها الحاضرة مركز الادارة والحكم منذ القرون العديدة،

 ولأنه جذبه الحنين وهزه الشوق الى الوسط العلمي والثقافي الاصيل الذي نشأ فيه وتربى وتخرج منه ودرس به وعرف شيوخه وشبابه واخبارهم جميعا وأجواءهم الظاهرة والخفية متمثلا بما قاله قبله الباجي المسعودي في الحنين الى البيئة الزيتونية العريقة منشأ شبابي وأترابي ومرضعتي ثدي العلوم الذي لا زال يأويني لما كان كل لك كذلك واكثر عقد العزم على ان يتوج نشاطه المتواصل ويرصّع آثاره الفكرية بجوهرة فريدة لامعة فكان هذا الكتاب الضخم (اكثر من 600 صفحة) والأنيق بورقه الصقيل وصوره التاريخية الموضحة وطبعته الفاخرة (اعلام من الزيتونة ج 1) لم يلبث ان أردفه بجزء 2 وأكملهما بـ : اعلام من المدرسة الصادقية واختار لظهور العنوان الاول مناسبة فريدة من نوعها من بداية الاستقلال المجيد وهي الاحتفال الرسمي والقومي بمرور ثلاثة عشر قرنا مضت على تأسيس جامع الزيتونة الذي كان عبر تاريخه الطويل معمورا بأهله من مشائخ أجلاء وطلاب نجباء وخاصة طيلة عهد الاستعمار الفرنسي للمغرب العربي بأقطاره الثلاثة التي اتقدت جذوة الوطنية والنضال التحريري فيها انطلاقا من حلقات دروسه ومحاضرات أعلامه ولقاءاتهم بين عرصاته، وهذا الاحتفال المجيد على مستوى الشعب والحكومة نظمته سلطة العهد الجديد في نهاية عشريتها الاولى اي سنة 1417 هـ الملاقي 1996 في اطار التصالح مع الهوية الاصيلة ورد الاعتبار لهذا المعلم الذي تعطل تعليمه وتوقف نشاطه بضربة ولسان حاله يصيح: سيذكرني قومي اذا جد جدهم. وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر.

قلت في هذه المناسبة الثمينة والفريدة من نوعها في تاريخ تونس المستقلة أبى ابن الزيتونة البار وبقية سلفها الصالح الاستاذ المربي والقاضي الضليع الشيخ الوقور المحترم السيد محمود شمام الا ان يساهم بعمل مشهود فكان هذا الكتاب الذي يشكل سفرا ضخما ومرجعا رائعا يسد ثلمة واسعة في المكتبة التونسية والعربية قاطبة وذلك في مجال التعريب والترجمة الذاتية لعلماء اعلام ومصلحين رواد وشيوخ بررة كاد يلفهم النسيان ويضيع ذكرهم في غمرة الانانية المفرطة والحقد الدفين الموروث عن الاستعمار البغيض ورموزه العاملين بكل الوسائل لمحو هوية البلاد وشعبها العربي المسلم وطمس معالم الثقافة الاصيلة ولغتها النبيلة ومن يحملها ويذود عنها ويضحي في سبيلها طيلة قرن مضى وزيادة (1881 ـ 1981) والناظر في هذا الكتاب وما حوى وما قام به صاحبه ومن وعى سيكتشف انه كتاب وفاء وذكرى، وان عمله تأكيد انتماء لشريحة بارزة في المجتمع التونسي ابان الاحتلال الغاشم الواقف بالمرصاد لكل تحرك وطني اصيل او عمل ايجابي يحمي هوية البلاد ويحفظ مكانتها، وانه كتاب تأريخ لحقبة زاخرة من تاريخ بلادنا برز فيها رجال اعلام مؤسسون في السياسة والصحافة وتوعية الشعب واصلاح حياته ومؤسساته التعليمية والجمعياتية وطبعوا الحياة العلمية والفكرية والثقافية والقضائية في مراكز مثلت الريادة امام سطوة الاجنبي الغاصب لخيرات البلاد والمسيطر على مقدراتها بهدف بناء امبراطورية فرنسية واسعة من وراء البحر المتوسط تمحى فيها الشخصية العربية المسلمة وتندثر الذاتية الوطنية الصادقة، وكثيرا ما نجد المؤلف الكريم يتجاوز الترجمة الشخصية لأعلام الزيتونة الى ابراز جوانب من الاحداث الواقعة في حياتهم ودورهم في معالجتها فهذا الشيخ (عدل الاشهاد) محمد مناشو الذي يندرج من اصل أندلسي استقر أجداده بالعاصمة التونسية وتخرج هو من التعليم الزيتوني ليباشر العدالة والتعليم الحر لتربية الشبان وكان مولعا بالكتابة والنقد والاصلاح في الصحافة والمسرح والنوادي والجعيات حتى عدّه الاستاذان: عز الدين المدني ومحمد السقانجي في كتابهما (رواد التأليف المسرحي) من رواد التأليف المسرحي ومن دعاة النهضة الفكرية والسياسية والاجتماعية الف عدة كتب مدرسية ونظم مجموعة هامة من الاناشيد الوطنية لتلاميذ المدارس وغيرهم وحضر في أول لجنة لاصلاح التع

المزيد


الأستاذ الفاضل صالح بن عبد الجليل كما عرفته: الزيتوني الأصيل! شهادة لطفي المجدوب

أكتوبر 21st, 2007 كتبها المشرف نشر في , العائلة و الأصدقاء, تاريخ تونس, تربية و تعليم, حركة الإصلاح, دين ودنيا, شهادات و ذكريات

شهادات و ذكريات…
صورة لصحن الجامع الكبير في مدينة مساكن الذي احتضن علاوة عن  دروس الفرع الزيتوني
الدروس  الصيفية لجمعية المحافظة على القرآن الكريم



الأستاذ الفاضل صالح بن عبد الجليل كما عرفته: الزيتوني الأصيل!


الأستاذ لطفي المجدوب

يعتبر الأستاذ المربي الفاضل صالح بن عبد الجليل من جيل الطلبة الزيتونيين ـ نسبة إلى جامعة الزيتونة التونسية العريقة ـ الذين عاصروا مرحلة استقلال  البلاد التونسية عن المستعمر الفرنسي سنة 1956، حيث ساهم هذا الجيل بدور فعال ومباشر في بناء الدولة التونسية الحديثة.


فرغم الغبن الذي لحق بهذا الجيل من تهميش وتشويه وتشريد لقادته ومشائخه الذين اختار قسم كبير منهم الهجرة إلى المشرق العربي، خاصة بعد القضاء على أعرق جامعة إسلامية في العالم الإسلامي، الجامعة الزيتونية، واستيلاء الدولة على أوقافها التي كانت مصدر تمويلها واسقلاليتها، بدعوى توحيد التعليم في تونس الحديثة، رغم هذه المحنة الرهيبة فإن هذا الجيل الزيتوني لبّى نداء الواجب فانخرط في أجهزة الدولة الحديثة المفتقرة إلى متعلمين ومثقفين ورجال تعليم خصوصا، فالجيل المتخرج من المدارس الفرنسية أو المدارس التي كانت لغة التعليم فيها مزدوجة، كالمدرسة الصادقية مثلا، كانوا لا يمثلون سوى نسبة ضعيفة من المتعلمين، فالتعليم الشعبي كان زيتونيا بامتياز، حيث أن الجامعة الزيتونية بالعاصمة ـ تونس ـ وفروعها الثانوية بمختلف مدن البلاد التونسية كان يقدّر عدد طلابها بأربعين ألف طالب، وهو عدد مرتفع نسبيا إذا أخذنا بعين الإعتبار عدد سكان البلاد في ذلك الوقت الذي كان لايتجاوز ثلاثة ملايين ساكن على أقصى تقدير.
نعم لم يكن لهذا الجيل الزيتوني تأثير في توجّهات الدولة البورقيبية لاعتبارات معلومة، غير أنه لا يمكن تجاهل ما قام به هذا الجيل من عمل جبار في نشر الثقافة والتعليم بربوع البلاد. ومن رجالات هذا الجيل أستاذنا الفاضل صالح بن عبد الجليل، رحمه الله، الذي قضى أكثر من أربعين سنة مربيّا ومعلما لأجيال متعاقبة من أبناء تونس الحبيبة فلم يبخل عليهم لحظة بجهده وعطائه، فلقد درّس في مختلف مدن البلاد  ولم يشتك من الترحال والنقل المتعاقبة فكان مؤمنا برسالته التعليمية المقدسة.
لقد كان طموح أستاذنا، رحمه الله، كبيرا إذ لم يطل به المقام بالتدريس بالتعليم الإبتدائي، حيث واصل تعليمه الجامعي وتحصل على شهادة الأستاذية في العلوم الإسلامية بعد أن التحق بالبلاد الليبية، حيث أنه لم يعد هناك تعليم عال بتونس بعد غلق الجامعة الزيتونية، إلى حدّ بعث الجامعة التونسية في أواخر الستينيات من القرن الماضي. ثم التحق الأستاذ صالح، رحمه الله، بالتعليم الثانوي

المزيد


العلاّمة محمد الطّاهر بن عاشور في ذكراه الرابعة و الثلاثين - جريدة الشعب 8 سبتمبر 2007

سبتمبر 8th, 2007 كتبها المشرف نشر في , إصلاح ديني, تاريخ تونس, تربية و تعليم, حركة الإصلاح, دين ودنيا, مقالات في جريدة الشعب 2007

جريدة الشعـــــــــب ذكريات السبت 8 سبتمبر 2007

من رموز العلم والإصلاح التربوي الأستاذ الحجّة المجتهد العلاّمة:  

محمد الطّاهر بن عاشور في ذكراه (34): (1296 ـ 1393هـ) (1877 ـ 1973م)ء

الشيخ محمد الطاهر بن عاشور بين مجموعة من طلبته

لهذه الأسباب تم اختياره عضوا عاملا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة

صالح بن عبد الجليل 


لقد أدركته في أوّل فجر الاستقلال وقد بلغ من الكبر عتيّا (80 سنة) وأنا في السنة الخامسة من التعليم الثانوي الزيتوني يوم كنت نازلا بالمدرسة الشمّاعية في سوق البلاغجية قرب جامع الزيتونة وأدرس بجامع سيدي البشير في باب الفلّة المواد السمعيّة من فقه وأصوله وتفسير مذاهبه وحديثه ورجاله والمواد الكتابيّة الأخرى في مكتب ابن عبد اللّه معهد ابن رشد حومة الصبّاغين وهي الرياضيات والعلوم الطبيعية والتّاريخ والجغرافيا والفرنسية وفنون العربية نحوًا وصرفًا وبلاغة،

 وكنت أتردّد في غير أوقات الدّراسة على المكتبة العبدليّة للمطالعة وهي الكائنة على يمين الداخل من الباب الرئيسي الشرقي لجامع الزيتونة من صحن الجنائز  وكان الجامع قبل ذلك العام معمورًا بأهله من فحول العلماء والمشائخ الأجلاّء وتلاميذهم النجباء من شباب تونس المتوثبة والجزائر المناضلة وغيرهم، وقد كان رحمه الله يتردّد على تلك المكتبة في قسمها الداخلي (المقصورة) لضبط واحصاء وصيانة المخطوطات الثمينة المتراكمة فيها، فكنّا ونحن تلاميذ لم نتجاوز العقد الثاني من العمر نرمُقه وهو يجتاز صفوف المطالعين في صمت عنيف وحيويّة لا تناسب 80 سنة كالحبّة المارقة من الذّخيرة الحيّة، وكان في ذلك الوقت قد أُزيح عن مشيخة الجامع وفروعه لتحلّ محلّه وزارة التربية الوطنية التي جمعت تحت أنظارها جميع أصناف التعليم الموجودة طيلة عهد الاستعمار البغيض الذي جاء بإدارة العلوم والمعارف الفرنسية لتوجه التعليم الرسمي الحكومي (الفرنكو غرب) بطريقة الفرنكفونية الاستعمارية الراسخة، فلمّا توحّد التعليم بحكم استقلال البلاد كان التعليم الأصلي بمراحله كلّها بالعاصمة والدواخل هو كبش الفداء لهذا التوحيد بحيث ألغي كلّيا شكلا ومضمونا وحوته وزارة المعارف فأفرغت أصله وسمّت فروعه المعاهد الثانوية الزيتونية وأوقفت مددها من التلاميذ في انتظار أن تُكمّل مشوارها بمن فيها من التلاميذ والمدرّسين، أمّا تعليمه العالي فقد أُحدثت له (الكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين) وجُعل مقرّها موضع إدارة الأوقاف المنحلّة والكائنة في نهج جامع الزيتونة الآن قبالة مكتبة النجاح وقد كان يسمّى (نهج الكنيسة) لأنّ فرنسا فتحت به كنيسة صغيرة هي الآن فرع بلدي لبلدية العاصمة وعُيّن على رأس هذه الكلّية التي كادت تكون فارغة تماما في أوّل أمرها لأنّ كل المتخرّجين من طلبة وتلاميذ الجامع وحتّى فروعه بشهادة التحصيل أو (الأهلية) كلّهم وغيرهم قد استوعبتهم الأماكن الشاغرة ضمن الوظائف الحكومية بحكم استقلال البلاد وخروج الأجانب منها في التعليم وخاصّة الابتدائي لما فيه من احداثات واسعة والأمن بقسميه والجيش الوطني والعدلية والمالية والبلديات.. الخ.. ممّا جنّب وقوع البلاد في بدء استقلالها في أي عجز إداري أو تسيير ذاتي عكس ما وقع في الجزائر المجاورة الخالية من مثل جامع الزيتونة إلاّ من بعض محظوظي أبنائها الدارسين بالجامع في تونس، والفضل كلّه للّه وحده ولأسلافنا وأجدادنا الفضلاء الذين حافظوا وعملوا بالفكر وبالساعد على استمرارية العمل الدؤوب بهذا المعقل الأصيل للتعليم والتربية طيلة ما يزيد عن ألف سنة بداية من 114 هـ في عهد الوالي الأموي عبد الله بن الحبحاب ثمّ ما لبث أن أصبح يؤدّي دوره التعليمي الأصيل إلى جانب دوره التعبّدي المقدّس الأوّل عبر العصور والدول إلى عهد الاستعمار الفرنسي (75 عاما) الذي حاول بكلّ جهده أكثر من مرّة وضع يده عليه وتسييره كما يسيّر بقيّة المعاهد التعليمية الأخرى فلم يتمكّن من ذلك إلى أن جاء عهد الاستقلال المجيد فعطّل المسيرة وأسقط التعليم الأصلي بالضربة القاضية والنهائية وأظهر التعليم الرسمي الذي كان امتدادا لتعليم إدارة العلوم والمعارف الفرنسية تقريبا ورئيسها الاستعماري العريق القادم من الجزائر المستشرق الماكر «ماشويل» وقد كان لشيخنا الوقور صولات وجولات إصلاحية مشهودة لتعليم هذا المعهد العريق منذ مطلع القرن 20 عقب تخرّجه من الدراسة فيه حيث كان شابّا نشيطا متشبّعا علما ومعرفة ونضجا وطنيّا وغيرة على الأصالة والإسلام والمسلمين في هذه الربوع يعمل مدرّسا ناجحا في المعهدين الأصيلين جامع الزيتونة والمعهد الصادقي المحدث لمؤازرة ودعم التعليم الزيتوني من عهد خير الدين باشا الذي كان يلتهب شوقا ويندفع حماسا لخدمة الأمّة وتحقيق مناعتها في وجه الغاصبين المتربّصين بها من كل جانب مثله في ذلك مثل جمال الدين ورفيقه محمد عبده بمصر وثالثهما عبد الرحمان الكواكبي بدمشق الشام وكلّهم سواء في مقارعة الخطوب المحيطة بالأمّة ومقاومة طبائع الاستبداد والمعضلات الاجتماعية والسياسية المعرقلة للتقدّم الشامل وتحقيق نتائجه البعيدة الأثر والمتسامية عن مظاهر الانحلال ونشر الفساد، ولقد قضّى معظم حياته وعمره الطويل المبارك في التعليم والتربية برحاب كعبة العلوم والمعارف الشرعية واللّغوية والأدبيّة، وكان مغرما بالآداب العربية وفقه لغتها والتفنّن في أسرارها العميقة واشتقاقاتها المتشعّبة في صرفها ونحوها وبيانها وبديعها شعرا ونثرا، وشعاره هو: لا تلمني في هواها.. أنا لا أهوى سواها، ما لقومي ضيّعوها.. فدهاهم ما دهاها.. وكان مهتمّا خاصّة بشرح (ديوان الحماسة) للبحتري فقد أبدى فيه ضلاعة وامتيازا دلّتا على سموّ الذّوق وعمق التحليل وسعة الإطلاع، يقول أحد تلاميذه ومريديه (كنّا نفزع الى حلقة دروسه وكُلّنا آذان صاغية مبهوتين بمتانة اللّغة وسلامة العبارة وحسن الانتقاء والاستشهاد بما يدعم رأيه ويعزّز مذهبه في الشرح والبيان… فكان طرازا جديدا علينا يشدّنا الى متابعته ويهزّنا بصرامة إلقائه واستشهاداته البليغة الفصيحة من الشعر الجيّد والنثر المتين الذي يحفظه من ديوان الحماسة وشروحه… ودرسه كان يستمر دون انقطاع مُدّة تربو عن الساعتين لا يرجع إلى ورقة ولا إلى كتاب معه في تسلسل ممتع وأسلوب رائق عميق يناقش المؤلّفين والمفسّرين والشرّاح ويقرع حججهم بحجّته ويردّ تخريجاتهم يُلقيها من عنده بعد أن يصقلها صقلا عجيبا… الخ) من كتاب أعلام من الزيتونة ج 1 بداية من ص 240، وهو أوّل ما ظهر في موضوعه سنة 1996 تـ: الشيخ القاضي محمود شمّام. وإلى جانب التّدريس بالمعهدين الأصيلين (الزيتونة والصادقية) كان لا يفتأ يشارك في نشاط الجمعيات الثقافية بالمحاضرات والتوجيه فكانت محاضراته على منبر جمعية قدماء الصادقية (تـ 1875م) والجمعية الخلدونية (تـ 1886م) لا تكاد تتوقّف أو تنقطع إلى جانب التحرير في الصّحف والمجلاّت السيّارة… حتّى طارت شهرته لا بين الطلبة والأساتذة فقط بل في أوساط الشعب ونُخبه المثقفة بل حتّى خارج البلاد فقد وقع اختياره عضوا عاملا رسميّا بمجمع اللّغة العربيّة بالقاهرة والمجمع العلمي بدمشق الشام بعد أن عيّنته حكومة الباي في تونس عضوا قارّا في (النظارة العلمية) السّاهرة على سير وإصلاح التعليم الأصلي في جامع الزيتونة وكانت هذه فرصته المرتقبة للإصداع بآرائه الإصلاحية للتعليم عموما من حيث المناهج والمحتوى وللتعليم الزيتوني خاصّة من حيث الطّرق والممارسة فكان همّه الشاغل أن يُحوّله إلى مؤسسة علمية عصريّة مستنيرة وأصيلة وشاملة لتوجّهات الحياة ومستجيبة لمطالب الأمّة وحاجاتها المستحدثة دون تنكّر لعراقتها ومجدها الرّاسخ وقد دوّن آراءه الإصلاحية هذه في كتابه المفقود الآن (أليس الصبح بقريب) وفيه من الإيحاء بمطالب الناشئة التونسية الزيتونية بالخصوص ما يستحق التوقّف والاهتمام كالخروج من عتمة التزمّت العلمي والعيش في بطون الكتب الصّفراء وتحت أقبيّة الجوامع والأماكن العتيقة والمتداعية إلى آفاق الحداثة الواعية والفضاءات الصحّية اللاّئقة بعمر الشباب وحياة العصر ونهضته.



 المشروع الإصلاحي القويم:

هو الذي يجذّر أصالة التعليم والثقافة ويُبقي على مقوّمات الهويّة ويعمّق الإحساس بالانتماء الحضاري للعروبة والإسلام في هذه المنطقة وغيرها… وهذا ما عمل على تحقيقه شيخنا الطاهر بن عاشور رمز الدعوة الإصلاحية التعليمية في زمانه بتونس خصوصا بعد زيارة الداعية المربّي الشيخ محمد عبده الأولى والثانية حيث حاضر على منبر الخلدونية داعيا إلى هذا المشروع الإصلاحي التربوي الشامل للتعليم بالأزهر والزيتونة في ذلك الوقت وطارت شهرة شيخنا الكريم بدعوته الملحّة إلى إصلاح برامج التعليم الزيتوني وطرق تدريسه وأساليب نهضته وتوعيّة رجال التعليم فيه الذين يمثّلون في نظر الشيخ حجر الزاوية في هذا الإصلاح المنشود ضاربا صفحا عن عرقلة المتزمّتين والمتحجّرين منهم المتشبّثين بإبقاء ما كان على ما كان…، وإصلاح التعليم عند الشيخ ينطلق في حياة الطفل ابتداء من ترسيخ تعليم اللّغة العربيّة وتثبيت قواعدها والغوص مع اشتقاقها وفنونها والاستمتاع بآدابها لتكون الأداة الطيّعة لفهم الدين الإسلامي عقيدة وشريعة ومعاملة من مصادره الأساسية والإبحار في فسيح مقاصد الشريعة وأصول التشريع الإسلامي… بما يضمن للمسلم المعاصر الصلاح والف

المزيد


محي الدين القليبي في الذكرى 52 لوفاته - جريدة الشعب 11 نوفمبر 2006

سبتمبر 1st, 2007 كتبها المشرف نشر في , إصلاح ديني, تاريخ تونس, تربية و تعليم, حركة الإصلاح, دين ودنيا, مقالات في جريدة الشعب لسنة2006

جريدة الشعـــــــــب وجهات نظر السبت 11 نوفمبر 2006

من أعلام الحركة الوطنية:

محي الدين القليبي في الذكرى 52 لوفاته

صالح بن عبد الجليل 


من هو محي الدين القليبي؟ وما علاقته بالحركة الوطنية؟

حين ألقيت هذا السؤال المزدوج على عدّة أشخاص من أوساط مختلفة حتى المتعلّمين والمعلمين من جيل النصف الثاني من القرن العشرين المنصرم لم أجد جوابا أصلا وأخيرا سألت شيخا طاعنا في السن فأجاب بما يقارب الحقيقة في غموض وإهتزاز،

والحقيقة أنّ هذا الرجل هو مواطن تونسي مثقف أصيل (من قاع الخابية) ولكنه يعتز بإنتسابه الوطني وهويته الاسلامية الى أبعد حدّ ويدافع عنهما بكل الوسائل: اسمه الكامل وتاريخ ميلاده كما أفادنا الأستاذ عزالدين المدني في جريدة الصحافة 15/4/2005 هو: محي الدين بن محمد بن عبد القادر بن رمضان الشريف شُهر القليبي، ولد سنة 1901 م، أمّا موضع ولادته فمسكوت عنه غير أنّ قريبه الأستاذ الشادلي القليبي: كتب أنّه كان يسكن منزل والده بضاحية مدينة المرسى تعرف بـ (برج الحوكي)، وكان والده الشيخ المهيب اللحية من موظفي دواوين الباي (عن مجلة الهداية عدد 160 السنة 29 ص 5/8) وحين بلغ سن التمييز أرسله أبوه الى الكتاب لحفظ القرآن الكريم وبعض متون العربية والفقه، ثمّ انخرط في سلك تعليم جامع الزيتونة المعمور في ذلك الوقت بأهله من الدارسين والمدرسين. فتزوّد من تلك المنارة العلمية الثقافية الأصيلة والفريدة من نوعها في المنطقة حيث كان يأتيها طلاب اللغة العربية والعلوم الإسلامية من أقطار المغرب العربي الكبير وافريقيا الإسلامية، والغريب في توجّه هذا الرجل السابق عصره والذي كان هو العنصر الفاعل والدماغ المحرّك لدفة السياسة والنضال التحريري الصحيح إبّان وإثر الحرب العالمية الأولى رغم صغر سنّه والغريب أنّه لم يكمل تعليمه حتى يتخرّج بشهادة إنتهاء التعليم الثانوي الزيتوني التي كانت تسمّى في عهده «التطويع» ثمّ مع وبعد اصلاحات المرحوم الطاهر بن عاشور شيخ الجامع وفروعه وتحوير برنامج تعليمه أصبحت تسمّى (شهادة التحصيل) وهي ذات فرعين (التحصيل العلمي) مركّزة على علوم اللغة والشريعة والتاريخ الإسلامي… (والتحصيل العصري) مركّزة أكثر على الرياضيات والفرنسية والإنليزية الى أن جاء الإستقلال  فألغى الكل وأزال التعليم الزيتوني بالضربة القاضية ولسان حالة يقول:

«سيذكرني قومي إذا جدّ جدّهم: وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر» أو:

«أضاغوني وأيّ فتى أضاعوا.. ليوم كريهة وطغنان خلس»:

ولكن الرجل الذي (كان نسيجا وحده) قد تجاوز النمط التقليدي في مواصلة التعليم ومال الى طريقة الإنتقاء. إنتقاء الدروس التي  تصادف هوى في نفسه والتي تمثّل في نظره اللبّ المطلوب من فنون اللغة وعلوم الشريعة ووقائع التاريخ الإسلامي الطويل، بحيث لم تكن غايته الحصول على الشهادة بقدر ما كانت تحصيل الثقافة العميقة والحيّة. وهو وإن لم يتعلّم اللغة الفرنسية في مدارسها الإستعمارية أو مراكزها التبشيرية فقد كان يتطلّع الى ثقافة شاملة ومتفتحة من خلال مطالعة كل الصحف والمجلات والكتب المحلية والوافدة من الخارج الموضوعة وا لمترجمة شأنه في هذا شأن العبقري النابغة الشاعر أبي القاسم الشابي قائل الحكمة ال

المزيد


الزعيم الشيخ المرحوم عبد العزيز الثعالبي - جريدة الشعب 30 سبتمبر2006

سبتمبر 1st, 2007 كتبها المشرف نشر في , إصلاح ديني, تاريخ تونس, تاريخ نقابي, تربية و تعليم, حركة الإصلاح, دين ودنيا, مقالات في جريدة الشعب لسنة2006

جريدة الشعـــــــــب شؤون وطنية السبت 30 سبتمبر 2006

الشيخ عبد العزيز الثعالبي

روّاد رحلوا: رائد الحرّية والنهضة الإسلاميّة

الزعيم الشهير والشيخ العالم النحرير المرحوم عبد العزيز الثعالبي

صالح بن عبد الجليل 

في اليوم الفاتح من شهر أكتوبر 1944 سار إلى عفو اللّه المجاهد الحقيقي المغفور له عبد العزيز الثعالبي الذي كان جدّه للأب عبد الرحمان الثعالبي يشتغل قاضيا في القطر الجزائري ولكنّه قرّر الارتحال عن بلده عندما تمّ الاحتلال الفرنسي الغاشم للجزائر الشقيقة سنة 1830م فقصد تونس ونزل بعاصمتها واستقرّ في حيّها العريق (حي باب سويقة) حين وُلد حفيده عبد العزيز بمهجره المحبوب يوم 5 سبتمبر 1876م.

وهناك نشأ وشبّ في رعاية جدّه فحفظ القرآن الكريم وفي نفس الوقت أحرز على الشهادة الإبتدائية من مدرسة حيّه ثمّ ألحقه جدّه بالجامع الأعظم جامع الزيتونة بقلب المدينة العتيقة وسط أسواقها المسقوفة، فقضى فيه سبع سنوات هي مدّة التعليم الثانوي بمرحلتيه وتخرّج منه بشهادة (التطويع) 1896.ثمّ أقبل على المدرسة الخلدونية (المجاورة للجامع) المزدهرة على أيدي باعثيها وأساتذتها النجباء وفي مقدّمتهم أساتذة الجيل: سالم بوحاجب والبشير صفر وعلي بوشوشة وغيرهم من أركان النهضة الفكرية الأدبيّة وأعمدة التطوّر الاجتماعي والسياسي بتونس في أواخر القرن 19 وأوائل القرن 20 وكان الطالب الجديد مُعجبا بمنهجهم الحكيم ومنطقهم السليم ولسانهم القويم. وفي نفس الوقت كان مولعا بمطالعة ما يأتي تحت يده من الصحف الوافدة والمحلية ومشاركا في أنشطة نوادي الأدب والفكر والإجتماع وأغلبها في دكاكين العدول من أهل العاصمة وما ان استهلّ القرن 20 حتّى برز اسمه في هالة من الحماس الوطني والنزوع إلى الثورة على كل بائد متحجّر من القول والفعل والطموح إلى الحرّية والتطوّر الفكري والإجتماعي، فأسّس لهذا الغرض جريدة سمّاها (سبيل الرشاد) للحثّ على مقاومة البدع وإحداث إصلاحات دينيّة وسياسية في العالم الإسلامي ومنه العربي. ولكن الجريدة لم تلبث أن تعطّلت فتركها مغاضبا وسافر إلى الآستانة عاصمة الدولة العليّة ودار الخلافة العثمانية ثمّ نزل إلى مصر حيث نهل بشغف من أفكار جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمان الكواكبي ولم يطل به المكوث هنالك بعيدا عن الوطن وما يجري لأهله بل هزّه الشوق والحنين الذي هزّ قبله شاعرا وطنيا وعالما تونسيا بعُد عن منبت شبابه وأترابه تونس ومعلمها العلمي البارز فقال محيّيا ومتشوّقا لموطنه ومعهده:

حيّا نسيمك حتّى كاد يحييني يا تونس الأنس يا خضراء الميادين
وجدّ بي الشوق واستولى على جلَدي وصرت أخفيه حتّى كاد يخفيني

إلى أن يقول: منشأ شبابي وأترابي ومرضعتي ثدي العلوم الذي لازال يُرويني

ورجع الى بلاده 1902 عاقدا العزم على مقاومة الاستعمار الفرنسي وأساليبه الثقافية وذلك بتقويّة الثقافة العربية الإسلاميّة وفضح السياسة الاستعمارية في مجال التعليم وما تروّجه من كتب تاريخية محرّفة ودروس مسمومة تقوم على (أنّ البلاد التونسية هي موطن البربر (الهمّج) فجاء الرومان وجعلوا منها جنّة فيحاء… فلمّا جاء العرب المسلمون خرّبوا ودمّروا تلك الجنّة…) فأخذ يوالي وضع الخطط التربويّة للإصلاح التعليمي والإجتماعي والدعوة إلى تحرير الفكر السديد وإظهار العمل الرشيد ونبذ الجمود والتخلّف في شتى مظاهره، والحقيقة أنّ الثعالبي (مثل غيره) كان منبهرا بتفوّق الحياة الأوروبية وحضارتها الحديثة، الأمر الذي جعله يتّجه إلى تأليف كتاب كامل في هذا الميدان بالتعاون مع المحامي اليهودي التونسي (سيزار بن عطار) سنة 1905 اختار له إسم (روح التحرّر في القرآن) ظهرت طبعته الأولى بالفرنسية في باريس ثمّ طبع ثانية بعد (80 عاما) في بيروت عام 1985، ثمّ انّ هذا التوجّه التوعوي الوطني الإصلاحي الثوري أثار حفيظة الحكّام المستبدّين فأوعزوا الى من يؤجّج نار المقاومة الشعبية الذي يقودها الرجعيون المتمسّكون بالقديم على علاّته ضدّ كل تطوّر يحرّك السواكن نحو الخير والتقدّم فاتهمه هؤلاء (بالكفر والإلحاد) من أجل تلفّظه بعبارات فيها اعتداء على مقامات الأضرحة والزوايا والأولياء والصالحين وقد اعتاد الشعب الكريم تقديس كل ذلك، وأحيل الزعيم الشاب الثائر على محكمة القضاء الزجريّة التي أصدرت عليه حكمها بالسجن لمدّة شهرين قضاهما حتّى يرضى الطغاة والمفسدون في الأرض من الحامين والمحميين، وفي هذه الواقعة يقول القاضي المؤرّخ الشيخ محمود شمّام رعاه اللّه: (حدّثني الصحفي القدير محمد بن الحسين وهو صديق الثعالبي ومن المؤسّسين للحزب معه: أنّ الثعالبي أثار

المزيد