«التعليم الزيتوني»
لجان الانتداب بالجامعة التونسية لم تعترف بـ «التحصيــــل» و «السربـــون» قبلتهــما!
قدّم الأستاذ محمد الحبيب الهيلة أحد الأساتذة الزيتونيين ملامح عمّا عايشه بخصوص ملف «مؤسسة الزيتونة» قبل الاستقلال وبعد قيام الدولة التونسية الحديثة. واحتضنت مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات هذه «الشهادة» وأبرز الدكتور عبد الجليل التميمي في بداية الجلسة ان «الزيتونة» لم تحظ بوقفة تأمل تعكس تاريخها الحقيقي قبيل الاستقلال والمصير الذي آلت اليه بعد ذلك. وأضاف التميمي في ورقة قدّمها للجلسة ان المواقف والآراء تضاربت حول «الزيتونة» سواء أكان ذلك من دعاة المحافظة علىها أو من المنادين بالقضاء عليها وقبرها تماما انطلاقا من قناعات كلا الفريقين، وقد أثار أكثر من متحدث على منبر الذاكرة الوطنية مصير الزيتونة وموقف الرئىس الحبيب بورقيبة الذي آمن وعمل منذ اللحظة الاولى على وقف هذه المؤسسة التربوية القروسطية والتي يعتبرها أحد رموز التخلّف الفكري للمجتمع التونسي، ولم يقبل على الاطلاق المحافظة حتى على التسمية عندما اقترح عليه السيد أحمد بن صالح انبعاث جامعة الزيتونة احتراما ووفاء لتاريخها ودورها الحضاري المتألق في الماضي.
* مواكبة واستنتاجات
يذكر ان الاستاذ محمد الحبيب الهيلة واكب مختلف هذه المواقف وكان على علاقة شخصية برموز الزيتونة من مشايخ وأساتذة ومسؤولين إداريين وقد حصلت لديه بعد أكثر من 60 سنة من التأمل التاريخي قناعات وتفكيرات عميقة. والأستاذ الهيلة ذو سمعة عربية ودولية فهو من الزيتونين الذين تحصّلوا على كل شهادات الزيتونة وآخرها «العالمية» ثم تحوّل الى باريس ليعدّ دكتوراه الدولة في جامعة السربون والتي ناقشها سنة 1976 ودرّس في كلية الشريعة وأصول الدين خلال 18 سنة والتحق بجامعة أم القرى بالسعودية بقسم الدراسات العليا التاريخية والحضارية كما أشرف على العشرات من رسائل الماجستير والدكتوراه في كلا الاختصاصين.
* زيتوني حتى النخاع
«كنت زيتونيا.. وعشت حياتي كلّها زيتونيا… وأشعر ان ما قيل عن الزيتونة والزيتونيين فيه الكثير من المغالطات والافتراء… واليوم أجد «الشعور الزيتوني منتشرا بين الطلبة وغيرهم.. هكذا بدأ الأستاذ الهيلة شهادته، مشيرا الى انه دعي خلال السنوات الأخيرة الى إلقاء محاضرة في كلية الأداب بمنوبة حول قضية الاصلاح في تونس منذ بداية القرن العشرين وقد تفاجأ عندما جعله الحوار والنقاش مع الطلبة يستحضر ماضيه «الزيتوني» حيث كان الحوار وكأنه بين «زيتونيين». وأفاد الأستاذ الهيلة أنه كان يناضل من أجل تفنيد ما تتهم به الزيتونة وأشار الى ان ما أداه ثقافيا في حياته الجامعية والتدريسية هو ما رآه من تعمّد بعض الشهادات على انتهاج خط حزبي ولم تكن الشهادات بذلك… حقيقية وكانت مليئة بالدسائس والاتهامات المجانبة للصواب. استعاد الاستاذ الهيلة بداية حياته الدراسية وقال انه دخل الى الفرع الصادقي (الصادقية الصغيرة) بعد ان توسط احد المتنفذين آنذاك لوالده في ذلك بين سنتي 1936 و1937 ولما بلغ السنة السادسة من الدراسة وبمناسبة الزيارة التي أداها المنصف باي لإعادة فتح الصادقية سنة 1942 حدثت حادثة غيّرت مساره الدراسي فجأة من التعليم الصادقي الى التعليم الزيتوني ذلك انه كان يُلزم نظافة الهندام والأحذية عند زيارة الباي للمدرسة ولكن أحد أصدقاء الهيلة ترك أثرا على حذاء هذا الأخير مما دعا حارس المدرسة الفرنسي ذا الضخامة المشهورة «لُوك» الى المناداة عليه وصفعه صفعة قوية جدّا. ومن تلك اللحظة رفض الهيلة مواصلة التعليم الصادقي واختار بمحض إرادته التعليم الزيتوني برغم ما أبداه والده من حرص على ان يتم تعليمه الصادقي. وتحدّث الهيلة عن بداية تعليمه بـ «الزيتونة» مشيدا ببلاغة وفصاحة الأساتذة والمدرسين وقدرتهم على ابلاغ القضايا والأفكار بأسلوب بيداغوجي منهجي ومدروس.
* اتهامات باطلة
وقال الهيلة انه ما عرف طيلة دراسته الزيتونية اي نوع من أنواع التعصّب وأكد وجود حالة من التسامح وذكر في هذا الصدد أجواء الاريحية والحرية «عند الأذان كنّا نخرج من الزيتونة والشيخ المدرّس كان يرانا ويصمت.. المجتمع الزيتوني كانت له صفات غير ما كُتب عنه ووصف به». وأضاف الأستاذ الهيلة: «بقيت الى سنة 1950 في الزيتونة وعايشت أشياء كثيرة ومنها تأسيس صوت الطالب الزيتوني التي عاش فيها دون ان يكون من بين البارزين ضمنها، وقال إنه شارك في المناظرة الاولى لانتداب مدرسي الزيتونة التي شارك فيها 700 مترشح لـ 24 خطة ونجح في تلك المناظرة وكان عمره حينها 20 سنة. وقال الأستاذ الهيلة ان خلافه وعدم اتفاقه مع الأستاذ عبد الرحمان الهيلة (من أقاربه) كان احد أسباب ابتعاده عن «صوت الطالب الزيتوني».
* المشيخة والسربون
وبدأ الهيلة مرحلة التدريس في ولاية القصرين وكان يواظب على مواصلة دراسته الى حين حصوله سنة 1958 على «العالمية» وفي أوائل الستينات من القرن الماضي رفع الهيلة ملّفه للجان الانتداب بالجامعة التي قال بعض أعضائها: «ان مثل هذه الشهائد الزيتونية اي التحصيل والعالمية لا تساوي شيئا على الاطلاق! وذكر الهيلة في شهادته انه أخذ نفس الملف الى باريس (السربون) والتقى الدكتور بيلار الذي فاجأه بقوله: «أتريد ان تأخذ العلم مني وأنت زيتوني!» في إشارة تقدير للكفاءة العلمية للزيتونيين، فقال له الهيلة: «أريد ان آخذ عنك المنهجية.. فقبل بيلار تأطير الهيلة لشهادة أطروحة الدولة. وقال الهيلة ان من المفاهيم التي يجب تصحيحها ما علق بصفة «المشيخة» من سلبيات على اعتبار انها أضحت ترمز الى «شيوخ زوايا الاولياء» و»شيخ التراب الجغرافي» في حين انها في الاصل صفة لـ «شيخ العلم». وانتقد الهيلة ضاحكا الطريقة التي تقدّم بها مؤسسة التلفزة والاذاعة «الشيخ» عبر توجيه الاساءة الى أصحاب «العمامة» بما في ذلك من محاربة وتحقير والحقيقة ان من يتابع تاريخ الحركة الوطنية يرى انها ليست تلك هي المنزلة والمكانة التي كان يحتلها «الزيتونيون». وقال الهيلة ان بعض من يدّعون الانتساب الى «التعليم العصري» نعتوا الزيتونيين بالخونة وهذا غير صحيح بالمرة والتاريخ شاهد على ذلك. وأضاف: «لنا من الوثائق والبعض منها من الإدارة الفرنسية وبإمكاننا ضبط قائمة في الخونة والعملاء..». وانتقد الهيلة تصريحا لأحد المؤرخين مؤخرا أشار فيه بالقول: «لما جاءت استفاقة المجتمع التونسي كانت تلك هي الظرفية لتأسيس جماعة الصادقية وأتت بالصادقية.. وأكد الهيلة ان دخول «التونسيين» في مثل هذه الانقسامات زيتوني / مدرسي مقصودة وغير بريئة وهدفها شق وحدة الصف الوطني.
منقول عن صحيفة الشروق التونسية بتاريخ
1.2.2009
—————————————————–
في مؤسسة التميمي: المسعدي «عاقب» الزيتونيين، وبن صالح… «خفّف عنهم»!
استعرضنا في عدد الأحد ملامح من مسيرة أحد «الزيتونيين» وهو الاستاذ محمد الحبيب الباهي، وهي المسيرة التي حملت تفاصيل عن تطوّر النظرة الى «التعليم الزيتوني» والسعي الى التقليص منهم بعد الاستقلال أو على حد عبارة صاحب الشهادة: «الزيتونة عرفت صوتها بعد الاستقلال… وحتى من بقي من الزيتونيين بقي في اطار الوظيف الديني أي الافتاء».
ونواصل اليوم استعراض بقية الشهادة التاريخية التي قدّمها الاستاذ محمد الحبيب الباهي التي ألقاها على منبر مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات.
وممّا رواه الباهي أنه كانت هناك سياسة ممنهجة للقضاء على «التعليم الزيتوني» تحت عدّة شعارات كان من بينها «توحيد التعليم» وكذلك نعت الزيتونيين بـ «المتخلفين» و»أصحاب العمائم».
وذكر الاستاذ الباهي أن عدد طلبة «الزيتونة» وفروعها كان سنة 1950 في حدود 16 ألف طالب منهم 10 آلاف في العاصمة لوحدها وبعد الاستقلال بدأ هذا العدد في التراجع الى أن بلغ ح
المزيد



















