شهادات زيتونيين بمؤسسة التميمي للبحث العلمي و المعلومات

فبراير 9th, 2009 كتبها المشرف نشر في , إصلاح ديني, تاريخ تونس, تربية و تعليم, حركة الإصلاح, شهادات و ذكريات, مقالات لكتّاب آخرين

شهادات زيتونيين بمؤسسة التميمي للبحث العلمي و المعلومات
مئذنة جامع الزيتونة

مئذنة جامع الزيتونة

«التعليم الزيتوني»

لجان الانتداب بالجامعة التونسية لم تعترف بـ «التحصيــــل» و «السربـــون» قبلتهــما!

قدّم الأستاذ محمد الحبيب الهيلة أحد الأساتذة الزيتونيين ملامح عمّا عايشه بخصوص ملف «مؤسسة الزيتونة» قبل الاستقلال وبعد قيام الدولة التونسية الحديثة. واحتضنت مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات هذه «الشهادة» وأبرز الدكتور عبد الجليل التميمي في بداية الجلسة ان «الزيتونة» لم تحظ بوقفة تأمل تعكس تاريخها الحقيقي قبيل الاستقلال والمصير الذي آلت اليه بعد ذلك. وأضاف التميمي في ورقة قدّمها للجلسة ان المواقف والآراء تضاربت حول «الزيتونة» سواء أكان ذلك من دعاة المحافظة علىها أو من المنادين بالقضاء عليها وقبرها تماما انطلاقا من قناعات كلا الفريقين، وقد أثار أكثر من متحدث على منبر الذاكرة الوطنية مصير الزيتونة وموقف الرئىس الحبيب بورقيبة الذي آمن وعمل منذ اللحظة الاولى على وقف هذه المؤسسة التربوية القروسطية والتي يعتبرها أحد رموز التخلّف الفكري للمجتمع التونسي، ولم يقبل على الاطلاق المحافظة حتى على التسمية عندما اقترح عليه السيد أحمد بن صالح انبعاث جامعة الزيتونة احتراما ووفاء لتاريخها ودورها الحضاري المتألق في الماضي.
* مواكبة واستنتاجات
يذكر ان الاستاذ محمد الحبيب الهيلة واكب مختلف هذه المواقف وكان على علاقة شخصية برموز الزيتونة من مشايخ وأساتذة ومسؤولين إداريين وقد حصلت لديه بعد أكثر من 60 سنة من التأمل التاريخي قناعات وتفكيرات عميقة. والأستاذ الهيلة ذو سمعة عربية ودولية فهو من الزيتونين الذين تحصّلوا على كل شهادات الزيتونة وآخرها «العالمية» ثم تحوّل الى باريس ليعدّ دكتوراه الدولة في جامعة السربون والتي ناقشها سنة 1976 ودرّس في كلية الشريعة وأصول الدين خلال 18 سنة والتحق بجامعة أم القرى بالسعودية بقسم الدراسات العليا التاريخية والحضارية كما أشرف على العشرات من رسائل الماجستير والدكتوراه في كلا الاختصاصين.
* زيتوني حتى النخاع
«كنت زيتونيا.. وعشت حياتي كلّها زيتونيا… وأشعر ان ما قيل عن الزيتونة والزيتونيين فيه الكثير من المغالطات والافتراء… واليوم أجد «الشعور الزيتوني منتشرا بين الطلبة وغيرهم.. هكذا بدأ الأستاذ الهيلة شهادته، مشيرا الى انه دعي خلال السنوات الأخيرة الى إلقاء محاضرة في كلية الأداب بمنوبة حول قضية الاصلاح في تونس منذ بداية القرن العشرين وقد تفاجأ عندما جعله الحوار والنقاش مع الطلبة يستحضر ماضيه «الزيتوني» حيث كان الحوار وكأنه بين «زيتونيين». وأفاد الأستاذ الهيلة أنه كان يناضل من أجل تفنيد ما تتهم به الزيتونة وأشار الى ان ما أداه ثقافيا في حياته الجامعية والتدريسية هو ما رآه من تعمّد بعض الشهادات على انتهاج خط حزبي ولم تكن الشهادات بذلك… حقيقية وكانت مليئة بالدسائس والاتهامات المجانبة للصواب. استعاد الاستاذ الهيلة بداية حياته الدراسية وقال انه دخل الى الفرع الصادقي (الصادقية الصغيرة) بعد ان توسط احد المتنفذين آنذاك لوالده في ذلك بين سنتي 1936 و1937 ولما بلغ السنة السادسة من الدراسة وبمناسبة الزيارة التي أداها المنصف باي لإعادة فتح الصادقية سنة 1942 حدثت حادثة غيّرت مساره الدراسي فجأة من التعليم الصادقي الى التعليم الزيتوني ذلك انه كان يُلزم نظافة الهندام والأحذية عند زيارة الباي للمدرسة ولكن أحد أصدقاء الهيلة ترك أثرا على حذاء هذا الأخير مما دعا حارس المدرسة الفرنسي ذا الضخامة المشهورة «لُوك» الى المناداة عليه وصفعه صفعة قوية جدّا. ومن تلك اللحظة رفض الهيلة مواصلة التعليم الصادقي واختار بمحض إرادته التعليم الزيتوني برغم ما أبداه والده من حرص على ان يتم تعليمه الصادقي. وتحدّث الهيلة عن بداية تعليمه بـ «الزيتونة» مشيدا ببلاغة وفصاحة الأساتذة والمدرسين وقدرتهم على ابلاغ القضايا والأفكار بأسلوب بيداغوجي منهجي ومدروس.
* اتهامات باطلة
وقال الهيلة انه ما عرف طيلة دراسته الزيتونية اي نوع من أنواع التعصّب وأكد وجود حالة من التسامح وذكر في هذا الصدد أجواء الاريحية والحرية «عند الأذان كنّا نخرج من الزيتونة والشيخ المدرّس كان يرانا ويصمت.. المجتمع الزيتوني كانت له صفات غير ما كُتب عنه ووصف به». وأضاف الأستاذ الهيلة: «بقيت الى سنة 1950 في الزيتونة وعايشت أشياء كثيرة ومنها تأسيس صوت الطالب الزيتوني التي عاش فيها دون ان يكون من بين البارزين ضمنها، وقال إنه شارك في المناظرة الاولى لانتداب مدرسي الزيتونة التي شارك فيها 700 مترشح لـ 24 خطة ونجح في تلك المناظرة وكان عمره حينها 20 سنة. وقال الأستاذ الهيلة ان خلافه وعدم اتفاقه مع الأستاذ عبد الرحمان الهيلة (من أقاربه) كان احد أسباب ابتعاده عن «صوت الطالب الزيتوني».
* المشيخة والسربون
وبدأ الهيلة مرحلة التدريس في ولاية القصرين وكان يواظب على مواصلة دراسته الى حين حصوله سنة 1958 على «العالمية» وفي أوائل الستينات من القرن الماضي رفع الهيلة ملّفه للجان الانتداب بالجامعة التي قال بعض أعضائها: «ان مثل هذه الشهائد الزيتونية اي التحصيل والعالمية لا تساوي شيئا على الاطلاق! وذكر الهيلة في شهادته انه أخذ نفس الملف الى باريس (السربون) والتقى الدكتور بيلار الذي فاجأه بقوله: «أتريد ان تأخذ العلم مني وأنت زيتوني!» في إشارة تقدير للكفاءة العلمية للزيتونيين، فقال له الهيلة: «أريد ان آخذ عنك المنهجية.. فقبل بيلار تأطير الهيلة لشهادة أطروحة الدولة. وقال الهيلة ان من المفاهيم التي يجب تصحيحها ما علق بصفة «المشيخة» من سلبيات على اعتبار انها أضحت ترمز الى «شيوخ زوايا الاولياء» و»شيخ التراب الجغرافي» في حين انها في الاصل صفة لـ «شيخ العلم». وانتقد الهيلة ضاحكا الطريقة التي تقدّم بها مؤسسة التلفزة والاذاعة «الشيخ» عبر توجيه الاساءة الى أصحاب «العمامة» بما في ذلك من محاربة وتحقير والحقيقة ان من يتابع تاريخ الحركة الوطنية يرى انها ليست تلك هي المنزلة والمكانة التي كان يحتلها «الزيتونيون». وقال الهيلة ان بعض من يدّعون الانتساب الى «التعليم العصري» نعتوا الزيتونيين بالخونة وهذا غير صحيح بالمرة والتاريخ شاهد على ذلك. وأضاف: «لنا من الوثائق والبعض منها من الإدارة الفرنسية وبإمكاننا ضبط قائمة في الخونة والعملاء..». وانتقد الهيلة تصريحا لأحد المؤرخين مؤخرا أشار فيه بالقول: «لما جاءت استفاقة المجتمع التونسي كانت تلك هي الظرفية لتأسيس جماعة الصادقية وأتت بالصادقية.. وأكد الهيلة ان دخول «التونسيين» في مثل هذه الانقسامات زيتوني / مدرسي مقصودة وغير بريئة وهدفها شق وحدة الصف الوطني.

منقول عن صحيفة الشروق التونسية بتاريخ
1.2.2009

—————————————————–

في مؤسسة التميمي: المسعدي «عاقب» الزيتونيين، وبن صالح… «خفّف عنهم»!

استعرضنا في عدد الأحد ملامح من مسيرة أحد «الزيتونيين» وهو الاستاذ محمد الحبيب الباهي، وهي المسيرة التي حملت تفاصيل عن تطوّر النظرة الى «التعليم الزيتوني» والسعي الى التقليص منهم بعد الاستقلال أو على حد عبارة صاحب الشهادة: «الزيتونة عرفت صوتها بعد الاستقلال… وحتى من بقي من الزيتونيين بقي في اطار الوظيف الديني أي الافتاء».
ونواصل اليوم استعراض بقية الشهادة التاريخية التي قدّمها الاستاذ محمد الحبيب الباهي التي ألقاها على منبر مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات.

وممّا رواه الباهي أنه كانت هناك سياسة ممنهجة للقضاء على «التعليم الزيتوني» تحت عدّة شعارات كان من بينها «توحيد التعليم» وكذلك نعت الزيتونيين بـ «المتخلفين» و»أصحاب العمائم».
وذكر الاستاذ الباهي أن عدد طلبة «الزيتونة» وفروعها كان سنة 1950 في حدود 16 ألف طالب منهم 10 آلاف في العاصمة لوحدها وبعد الاستقلال بدأ هذا العدد في التراجع الى أن بلغ ح
المزيد


من شعر الجهاد في الأدب التونسي الحديث

مارس 25th, 2008 كتبها المشرف نشر في , إصلاح ديني, تاريخ تونس, تربية و تعليم, حركة الإصلاح, دين ودنيا, شهادات و ذكريات, فكر و معارف, مقالات في جريدة الشعب 2007


جريدة الشعـــــــــب                         وثائق                    السبت 8 أفريل 2007


من شعر الجهاد في الأدب التونسي الحديث

 


     أبو القاسم الشابي

صالح بن عبد الجليل

المقصود بالأدب التونسي الحديث هنا ما أنتجته القرائح التونسية من شعر ونثر في القرن 20) في حياة كل الشعوب كما في حياة الافراد ـ ايام مشهودة لها توهّج خاص وتميز واضح كاليوم التاسع من شهر افريل 1938 فانه عند الشعب التونسي بأكمله يمثل ذكرى خالدة لحوادث دامية واستشهاد صادق في سبيل الله والوطن، علما بأن الوطنية الصادقة والجهاد في سبيل الله يكملان بعضهما فهما وجهان لعملة واحدة.
ولذلك ورد في الاثر (حب الوطن من الايمان) والا لما دمعت عينا المؤمن الاول نبيّنا محمد عليه الصلاة والسلام وهو يخرج من موطنه ومسقط رأسه مضطرا وباحثا عن النصر لدعوته السمحة وشرعه القويم، ان يوم 9 افريل 1938 الموافق 1356 هـ كان مسرحا لحوادث مفزعة وفواجع مؤلمة خاضها الشعب التونسي في شوارع العاصمة بصبر وايمان لنيل احدى الحسنين: النصر على الاعداء أو الاستشهاد في سبيل الله ضد قوى البغي والاستبداد والتسلط الاستعماري البغيض وحين يجدد شعبنا الكريم هذه الذكرى الخالدة ويترحم على شهدائه البررة الذين سقطوا في ميدان الشرف منادين بالحرية وحياة العزة والكرامة في ظل حكومة برلمانية عادلة ورشيدة لا ينسى في هذه الذكرى الأليمة ما وقع لفلسطين الجريحة في مثل هذا اليوم من عام 1948 وهي مذبحة «دير ياسين» الشهيرة على ايدي شذاذ آفاق العالم ومجرمي الدنيا قاطبة الذين لعنهم الله والناس أجمعون (لُعِنَ الذين كفروا من بني اسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) المائدة 78 كما لا ينسى النكبة الكبرى لبلاد الرافدين في يوم 9 افريل 2003 يوم سقطت بغداد الباسلة في يد الطغاة المجرمين من حكام امريكا وبريطانيا الذين أخذتهم العزة بالاثم فنسوْا بل داسو كل حقوق الانسان ومبادئ الحرية والديمقراطية التي يدعونها في بلادهم، فرحم الله أرواح كل الشهداء والمجاهدين الصادقين في ارض العروبة والاسلام الذائدين عن دينهم وعرضهم واستقلال أوطانهم (ولله العزة ولرسوله وللمؤمين ولكن المنافقين لا يعلمون) 8 ـ المنافقون ـ (ولا تحسبن الذين قتلوافي سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون…) 169 آل عمران. (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون) ابرهيم 42 ـ ولما كان الأدب عموما، والشعر على وجه الخصوص يمثل مرآة حياة الأمة وسِفْر تاريخها وسجل احداثها وامجادها، ذلك ان الشعر البديع هو من الشعور الصادق الذي يغمر الفؤاد فيهزه سرورا أو حزنا ورغبة أو رهبة، وحماسا وفخرا…
وهذا هو الشعر المملوء حكمة وصوابا والمطرّز عبرا وأمثالا وذلك هو الشعر الذي عناه سيد البلغاء ورافع قدر الشعراء المؤمنين عليه افضل الصلاة والتسليم حين قال: (إن من الشعر لحكمة) والحكمة ليست بالامر الهيّن اليسير او المتناول للجميع (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) 269 البقرة، ورحم الله أبا القاسم الشابي نابغة الادب التونسي الحديث وشاعر النخبة الزيتونية الاصيلة في هذا العصر حين قال:

«شعري نفاثة صدري   إن جاش فيه شعوري

لولاه ما انجاب عني  غيم الحياة الخطير

ولا وجدت اكتئابي   ولا وجدت سروري

به تراني حزينا   أبكي بدمع غزير

به تراني طروبا   أجر ذيل حبوري   

… الخ


من ديوانه الوحيد الذي جمعه بنفسه وباغتته المنية قبل طبعه وبعد ان سماه (أغاني الحياة) (ت 1934) ولما كان الشاعر الصادق هو من يمثل قلب الامة النابض وصوت الشعب الصارخ يصدع بشكواه ويحمل آلامه وآماله ويثيره ضد الظلم والطغيان وفساد الاوضاع حين يصدر نغماته التي تحرّك السواكن وتحيي في النفوس أحلامها العذبة وأمانيها الجسام فتنبعث في سبيلها غير عابئة بشيء فيحق الجهاد ويحلو الفداء وتهون التضحية فتكون النتيجة انتصار الحق المغصوب على الباطل الزهوق لأن هذا الاخير يعيش ويتعاظم في غفلة الاول عنه، لما كان كل ذلك كذلك، كان حتما وجود علاقة عضوية بين الشعر التونسي خلال المرحلة الوطنية العصيبة وبين الاحساس الحاد بالغضب نتيجة القهر والآفاق الغارقة في (صدام الدم) مع الأوغاد المعتدين ومن ساعدهم من الرجعيين والمنافقين، على ان (صدام الدم) في الكفاح التحريري الوطني التونسي يعود الى اواخر القرن 19 لما انزعج الشعب التونسي المغلوب على أمره من غَزْوِ بلاده واقتحام جند ا

المزيد


على هامش شهر التراث بمساكن: من يهتم بهذه المعالم؟ جريدة الشعب 18 جوان 2005

يناير 22nd, 2008 كتبها المشرف نشر في , تاريخ تونس, شهادات و ذكريات, فكر و معارف

جريدة الشعب - 18 جوان 2005
على هامش شهر التراث بمساكن: من يهتمّ بهذه المعالم؟

الأستاذ الفاضل صالح بن عبد الجليل كما عرفته: الزيتوني الأصيل! شهادة لطفي المجدوب

أكتوبر 21st, 2007 كتبها المشرف نشر في , العائلة و الأصدقاء, تاريخ تونس, تربية و تعليم, حركة الإصلاح, دين ودنيا, شهادات و ذكريات

شهادات و ذكريات…
صورة لصحن الجامع الكبير في مدينة مساكن الذي احتضن علاوة عن  دروس الفرع الزيتوني
الدروس  الصيفية لجمعية المحافظة على القرآن الكريم



الأستاذ الفاضل صالح بن عبد الجليل كما عرفته: الزيتوني الأصيل!


الأستاذ لطفي المجدوب

يعتبر الأستاذ المربي الفاضل صالح بن عبد الجليل من جيل الطلبة الزيتونيين ـ نسبة إلى جامعة الزيتونة التونسية العريقة ـ الذين عاصروا مرحلة استقلال  البلاد التونسية عن المستعمر الفرنسي سنة 1956، حيث ساهم هذا الجيل بدور فعال ومباشر في بناء الدولة التونسية الحديثة.


فرغم الغبن الذي لحق بهذا الجيل من تهميش وتشويه وتشريد لقادته ومشائخه الذين اختار قسم كبير منهم الهجرة إلى المشرق العربي، خاصة بعد القضاء على أعرق جامعة إسلامية في العالم الإسلامي، الجامعة الزيتونية، واستيلاء الدولة على أوقافها التي كانت مصدر تمويلها واسقلاليتها، بدعوى توحيد التعليم في تونس الحديثة، رغم هذه المحنة الرهيبة فإن هذا الجيل الزيتوني لبّى نداء الواجب فانخرط في أجهزة الدولة الحديثة المفتقرة إلى متعلمين ومثقفين ورجال تعليم خصوصا، فالجيل المتخرج من المدارس الفرنسية أو المدارس التي كانت لغة التعليم فيها مزدوجة، كالمدرسة الصادقية مثلا، كانوا لا يمثلون سوى نسبة ضعيفة من المتعلمين، فالتعليم الشعبي كان زيتونيا بامتياز، حيث أن الجامعة الزيتونية بالعاصمة ـ تونس ـ وفروعها الثانوية بمختلف مدن البلاد التونسية كان يقدّر عدد طلابها بأربعين ألف طالب، وهو عدد مرتفع نسبيا إذا أخذنا بعين الإعتبار عدد سكان البلاد في ذلك الوقت الذي كان لايتجاوز ثلاثة ملايين ساكن على أقصى تقدير.
نعم لم يكن لهذا الجيل الزيتوني تأثير في توجّهات الدولة البورقيبية لاعتبارات معلومة، غير أنه لا يمكن تجاهل ما قام به هذا الجيل من عمل جبار في نشر الثقافة والتعليم بربوع البلاد. ومن رجالات هذا الجيل أستاذنا الفاضل صالح بن عبد الجليل، رحمه الله، الذي قضى أكثر من أربعين سنة مربيّا ومعلما لأجيال متعاقبة من أبناء تونس الحبيبة فلم يبخل عليهم لحظة بجهده وعطائه، فلقد درّس في مختلف مدن البلاد  ولم يشتك من الترحال والنقل المتعاقبة فكان مؤمنا برسالته التعليمية المقدسة.
لقد كان طموح أستاذنا، رحمه الله، كبيرا إذ لم يطل به المقام بالتدريس بالتعليم الإبتدائي، حيث واصل تعليمه الجامعي وتحصل على شهادة الأستاذية في العلوم الإسلامية بعد أن التحق بالبلاد الليبية، حيث أنه لم يعد هناك تعليم عال بتونس بعد غلق الجامعة الزيتونية، إلى حدّ بعث الجامعة التونسية في أواخر الستينيات من القرن الماضي. ثم التحق الأستاذ صالح، رحمه الله، بالتعليم الثانوي

المزيد