أبريل 22nd, 2008
كتبها المشرف
نشر في , تاريخ تونس, فكر و معارف, مقالات لكتّاب آخرين,
,
الاستعمار الثقافي وجذور الفرنكوفونية..

كتب عبد الإله بلقزيز:
ليس صحيحاً أن الدعوة الفرنكوفونية وليدة حقبة التعريب في المغرب والمغرب العربي استطراداً ومجرّد تعبير عن حالة من الخوف والهلع من رؤية الميراث الثقافي واللغوي الفرنسي مرمياً على قارعة الطريق، أمام محاولة أبناء هذا البلد وهذه المنطقة استعادة لسانهم المُغتصب والمُصادر، وإن كان في ذلك نصيب من الصحة ليس يُنكر. بل الأولى القول إن وطأة تلك الدعوة اشتدت في حقبة التعريب هذه، وفي امتداد الحقائق الثقافية التي أطلقتها على صعيد الاجتماع الوطني برمَّته. أما الحَرِيُّ بالعناية والتسجيل في هذا الباب فهو أن الفكرة الفرنكوفونية قديمة قدم المشروع الاستعماري الفرنسي في بلادنا ومحايثة له، بمثل ما هي باقية وستبقى ما بقي في جعبة فرنسا بصيص من تطلع إلى مقاربة عالمنا بعين كولونيالية لا ترى في مجتمعاتنا غير أملاك استعمارية تقدم لها الجزية الثقافية عن حيازتها حقاً في الاستقلال الوطني.
كانت فرنسا في جملة أبكر الدول التي خاضت تجربة الاستعمار في نهاية القرن الثامن عشر، بُعيد ثورتها الكبرى في العام 1789. ومن سوء الصدف ان تكون أرض الكنانة (مصر) أولى استهدافاتها بعد جوارها الأوروبي الذي خرَّ مستسلماً بحراب بونابرت. لكن انقلاب أحوال غلبتها في أوروبا عليها أعاد جيشها إلى موطنه، حتى وإن لم يمنعه من التطاول على مواطن الآخرين وأوطانهم. ولم تكن هي إلا عقود ثلاثة عن خروجها من مصر، حتى زحفت قواتها إلى الجزائر مخرجة إياها من إطار السلطنة، أو الرابطة العثمانية، ومجرّبة إخراجها من إطارها الحضاري والثقافي العربي الإسلامي. وحتى قبل أن تستكمل فصول عملية إطباقها الكامل على المغرب العربي باحتلالها تونس في مطالع عقد الثمانينات من القرن التاسع عشر واحتلالها المغرب في مطالع العقد الثاني من القرن العشرين كانت صريحة في الجهر بطبيعة استعمارها وتميزه عن سائر أشكال الاستعمار الأخرى التي جايلته، وأخصَّها بالذكر الاستعمار البريطاني.
ففرنسا ما كانت تكتفي من مستعمراتها بما يطلبه منها سائر ملل الاستعمار ونِحِله: نهب الثروة، وجلب العمالة الرخيصة، وتأمين السوق للسلع الرأسمالية، وتوفير مواطئ قدم للجيوش البرية والبحرية، وقاعدة بشرية تستخدم لأداء السُّخرة العسكرية في جيش المحتل، كانت تطلب أكثر من ذلك بكثير: إنجاز جراحة ثقافية ولغوية تستتبع المستعمر للمستعمر، وتأتي بمعاول الهدم على استقلال شخصيته وكيانه، فتدفعه إلى اقتداء الغالب والإذناب له، والتماهي معه، وفقدان القدرة على وعيه لذاته إلا في علاقته الانجذابية به! فعلت ذلك بنجاح عزيز الأشباه والنظائر في "إفريقيا السوداء"، مستثمرة بُناها القبلية والاجتماعية الانقسامية المفتتة، وغياب عوامل التوحيد الثقافي والل
المزيد
مارس 25th, 2008
كتبها المشرف
نشر في , إصلاح ديني, تاريخ تونس, تربية و تعليم, حركة الإصلاح, دين ودنيا, شهادات و ذكريات, فكر و معارف, مقالات في جريدة الشعب 2007,
,
جريدة الشعـــــــــب وثائق السبت 8 أفريل 2007
من شعر الجهاد في الأدب التونسي الحديث

أبو القاسم الشابي
صالح بن عبد الجليل
المقصود بالأدب التونسي الحديث هنا ما أنتجته القرائح التونسية من شعر ونثر في القرن 20) في حياة كل الشعوب كما في حياة الافراد ـ ايام مشهودة لها توهّج خاص وتميز واضح كاليوم التاسع من شهر افريل 1938 فانه عند الشعب التونسي بأكمله يمثل ذكرى خالدة لحوادث دامية واستشهاد صادق في سبيل الله والوطن، علما بأن الوطنية الصادقة والجهاد في سبيل الله يكملان بعضهما فهما وجهان لعملة واحدة.
ولذلك ورد في الاثر (حب الوطن من الايمان) والا لما دمعت عينا المؤمن الاول نبيّنا محمد عليه الصلاة والسلام وهو يخرج من موطنه ومسقط رأسه مضطرا وباحثا عن النصر لدعوته السمحة وشرعه القويم، ان يوم 9 افريل 1938 الموافق 1356 هـ كان مسرحا لحوادث مفزعة وفواجع مؤلمة خاضها الشعب التونسي في شوارع العاصمة بصبر وايمان لنيل احدى الحسنين: النصر على الاعداء أو الاستشهاد في سبيل الله ضد قوى البغي والاستبداد والتسلط الاستعماري البغيض وحين يجدد شعبنا الكريم هذه الذكرى الخالدة ويترحم على شهدائه البررة الذين سقطوا في ميدان الشرف منادين بالحرية وحياة العزة والكرامة في ظل حكومة برلمانية عادلة ورشيدة لا ينسى في هذه الذكرى الأليمة ما وقع لفلسطين الجريحة في مثل هذا اليوم من عام 1948 وهي مذبحة «دير ياسين» الشهيرة على ايدي شذاذ آفاق العالم ومجرمي الدنيا قاطبة الذين لعنهم الله والناس أجمعون (لُعِنَ الذين كفروا من بني اسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) المائدة 78 كما لا ينسى النكبة الكبرى لبلاد الرافدين في يوم 9 افريل 2003 يوم سقطت بغداد الباسلة في يد الطغاة المجرمين من حكام امريكا وبريطانيا الذين أخذتهم العزة بالاثم فنسوْا بل داسو كل حقوق الانسان ومبادئ الحرية والديمقراطية التي يدعونها في بلادهم، فرحم الله أرواح كل الشهداء والمجاهدين الصادقين في ارض العروبة والاسلام الذائدين عن دينهم وعرضهم واستقلال أوطانهم (ولله العزة ولرسوله وللمؤمين ولكن المنافقين لا يعلمون) 8 ـ المنافقون ـ (ولا تحسبن الذين قتلوافي سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون…) 169 آل عمران. (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون) ابرهيم 42 ـ ولما كان الأدب عموما، والشعر على وجه الخصوص يمثل مرآة حياة الأمة وسِفْر تاريخها وسجل احداثها وامجادها، ذلك ان الشعر البديع هو من الشعور الصادق الذي يغمر الفؤاد فيهزه سرورا أو حزنا ورغبة أو رهبة، وحماسا وفخرا…
وهذا هو الشعر المملوء حكمة وصوابا والمطرّز عبرا وأمثالا وذلك هو الشعر الذي عناه سيد البلغاء ورافع قدر الشعراء المؤمنين عليه افضل الصلاة والتسليم حين قال: (إن من الشعر لحكمة) والحكمة ليست بالامر الهيّن اليسير او المتناول للجميع (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) 269 البقرة، ورحم الله أبا القاسم الشابي نابغة الادب التونسي الحديث وشاعر النخبة الزيتونية الاصيلة في هذا العصر حين قال:
«شعري نفاثة صدري إن جاش فيه شعوري
لولاه ما انجاب عني غيم الحياة الخطير
ولا وجدت اكتئابي ولا وجدت سروري
به تراني حزينا أبكي بدمع غزير
به تراني طروبا أجر ذيل حبوري
… الخ
من ديوانه الوحيد الذي جمعه بنفسه وباغتته المنية قبل طبعه وبعد ان سماه (أغاني الحياة) (ت 1934) ولما كان الشاعر الصادق هو من يمثل قلب الامة النابض وصوت الشعب الصارخ يصدع بشكواه ويحمل آلامه وآماله ويثيره ضد الظلم والطغيان وفساد الاوضاع حين يصدر نغماته التي تحرّك السواكن وتحيي في النفوس أحلامها العذبة وأمانيها الجسام فتنبعث في سبيلها غير عابئة بشيء فيحق الجهاد ويحلو الفداء وتهون التضحية فتكون النتيجة انتصار الحق المغصوب على الباطل الزهوق لأن هذا الاخير يعيش ويتعاظم في غفلة الاول عنه، لما كان كل ذلك كذلك، كان حتما وجود علاقة عضوية بين الشعر التونسي خلال المرحلة الوطنية العصيبة وبين الاحساس الحاد بالغضب نتيجة القهر والآفاق الغارقة في (صدام الدم) مع الأوغاد المعتدين ومن ساعدهم من الرجعيين والمنافقين، على ان (صدام الدم) في الكفاح التحريري الوطني التونسي يعود الى اواخر القرن 19 لما انزعج الشعب التونسي المغلوب على أمره من غَزْوِ بلاده واقتحام جند ا
المزيد
يناير 22nd, 2008
كتبها المشرف
نشر في , تاريخ تونس, شهادات و ذكريات, فكر و معارف,
,
جريدة الشعب - 18 جوان 2005
على هامش شهر التراث بمساكن: من يهتمّ بهذه المعالم؟
نوفمبر 19th, 2007
كتبها المشرف
نشر في , إصلاح ديني, تاريخ تونس, تربية و تعليم, حركة الإصلاح, دين ودنيا, فكر و معارف, مقالات في جريدة الشعب 2007,
,
جريدة الشعـــــــــب وجهات نظر السبت 27 جانفي 2007

قراءة في كتاب أعلام من الزيتونة تأليف الشيخ محمود شمام
على الرغم من الرحلة المضنية والثرية التي قطعها من عمره الطويل، شيخنا الوقور محمود بن البشير شمام المولود بالعاصمة التونسية في شهر محرم الحرام سنة 1331 هـ الملاقي (حسب قوله) شهر ديسمبر 1912 م وقضاها في عرصات المحاكم وعلى منصات القضاء التونسي بمختلف درجاته من الابتدائي الى التعقيب، في عدة مدن وجهات تونسية اخرها الحاضرة مركز الادارة والحكم منذ القرون العديدة،
ولأنه جذبه الحنين وهزه الشوق الى الوسط العلمي والثقافي الاصيل الذي نشأ فيه وتربى وتخرج منه ودرس به وعرف شيوخه وشبابه واخبارهم جميعا وأجواءهم الظاهرة والخفية متمثلا بما قاله قبله الباجي المسعودي في الحنين الى البيئة الزيتونية العريقة منشأ شبابي وأترابي ومرضعتي ثدي العلوم الذي لا زال يأويني لما كان كل لك كذلك واكثر عقد العزم على ان يتوج نشاطه المتواصل ويرصّع آثاره الفكرية بجوهرة فريدة لامعة فكان هذا الكتاب الضخم (اكثر من 600 صفحة) والأنيق بورقه الصقيل وصوره التاريخية الموضحة وطبعته الفاخرة (اعلام من الزيتونة ج 1) لم يلبث ان أردفه بجزء 2 وأكملهما بـ : اعلام من المدرسة الصادقية واختار لظهور العنوان الاول مناسبة فريدة من نوعها من بداية الاستقلال المجيد وهي الاحتفال الرسمي والقومي بمرور ثلاثة عشر قرنا مضت على تأسيس جامع الزيتونة الذي كان عبر تاريخه الطويل معمورا بأهله من مشائخ أجلاء وطلاب نجباء وخاصة طيلة عهد الاستعمار الفرنسي للمغرب العربي بأقطاره الثلاثة التي اتقدت جذوة الوطنية والنضال التحريري فيها انطلاقا من حلقات دروسه ومحاضرات أعلامه ولقاءاتهم بين عرصاته، وهذا الاحتفال المجيد على مستوى الشعب والحكومة نظمته سلطة العهد الجديد في نهاية عشريتها الاولى اي سنة 1417 هـ الملاقي 1996 في اطار التصالح مع الهوية الاصيلة ورد الاعتبار لهذا المعلم الذي تعطل تعليمه وتوقف نشاطه بضربة ولسان حاله يصيح: سيذكرني قومي اذا جد جدهم. وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر.
قلت في هذه المناسبة الثمينة والفريدة من نوعها في تاريخ تونس المستقلة أبى ابن الزيتونة البار وبقية سلفها الصالح الاستاذ المربي والقاضي الضليع الشيخ الوقور المحترم السيد محمود شمام الا ان يساهم بعمل مشهود فكان هذا الكتاب الذي يشكل سفرا ضخما ومرجعا رائعا يسد ثلمة واسعة في المكتبة التونسية والعربية قاطبة وذلك في مجال التعريب والترجمة الذاتية لعلماء اعلام ومصلحين رواد وشيوخ بررة كاد يلفهم النسيان ويضيع ذكرهم في غمرة الانانية المفرطة والحقد الدفين الموروث عن الاستعمار البغيض ورموزه العاملين بكل الوسائل لمحو هوية البلاد وشعبها العربي المسلم وطمس معالم الثقافة الاصيلة ولغتها النبيلة ومن يحملها ويذود عنها ويضحي في سبيلها طيلة قرن مضى وزيادة (1881 ـ 1981) والناظر في هذا الكتاب وما حوى وما قام به صاحبه ومن وعى سيكتشف انه كتاب وفاء وذكرى، وان عمله تأكيد انتماء لشريحة بارزة في المجتمع التونسي ابان الاحتلال الغاشم الواقف بالمرصاد لكل تحرك وطني اصيل او عمل ايجابي يحمي هوية البلاد ويحفظ مكانتها، وانه كتاب تأريخ لحقبة زاخرة من تاريخ بلادنا برز فيها رجال اعلام مؤسسون في السياسة والصحافة وتوعية الشعب واصلاح حياته ومؤسساته التعليمية والجمعياتية وطبعوا الحياة العلمية والفكرية والثقافية والقضائية في مراكز مثلت الريادة امام سطوة الاجنبي الغاصب لخيرات البلاد والمسيطر على مقدراتها بهدف بناء امبراطورية فرنسية واسعة من وراء البحر المتوسط تمحى فيها الشخصية العربية المسلمة وتندثر الذاتية الوطنية الصادقة، وكثيرا ما نجد المؤلف الكريم يتجاوز الترجمة الشخصية لأعلام الزيتونة الى ابراز جوانب من الاحداث الواقعة في حياتهم ودورهم في معالجتها فهذا الشيخ (عدل الاشهاد) محمد مناشو الذي يندرج من اصل أندلسي استقر أجداده بالعاصمة التونسية وتخرج هو من التعليم الزيتوني ليباشر العدالة والتعليم الحر لتربية الشبان وكان مولعا بالكتابة والنقد والاصلاح في الصحافة والمسرح والنوادي والجعيات حتى عدّه الاستاذان: عز الدين المدني ومحمد السقانجي في كتابهما (رواد التأليف المسرحي) من رواد التأليف المسرحي ومن دعاة النهضة الفكرية والسياسية والاجتماعية الف عدة كتب مدرسية ونظم مجموعة هامة من الاناشيد الوطنية لتلاميذ المدارس وغيرهم وحضر في أول لجنة لاصلاح التع
المزيد
أكتوبر 21st, 2007
كتبها المشرف
نشر في , إصلاح ديني, تاريخ تونس, حركة الإصلاح, دين ودنيا, فكر و معارف, مقالات في جريدة الشعب 2007,
,
جريدة الشعـــــــــب السبت 11 أوت 2007

باقعة الدهر ومربّي الأجيال
هو عبد الرحمان بن محمد بن خلدون الزيتوني تعلما التونسي نسبة العاصمي موطنا الحضرمي اليمني أصالة، هذا الاسم الكبير الحائز لهذا الحجم العظيم في الفكر والسياسة والمعرفة والثقافة الاصيلة والمنطق السديد، قد انحدر من سلالة عربية لها أمجاد عريضة وعريقة في التاريخ.
إن جدّه الأعلى خالد قد هاجر من حضرموت بجنوب جزيرة العرب الى الاندلس في منتصف القرن الرابع الهجري، ثم نزح جدّه الأدنى من اشبيلية الى تونس في منتصف القرن السابع هجري (13 ميلادي) ليستقر بعاصمة الدولة الحفصية تونس المدينة موطن سابقه المناضل الاستاذ المربي محرز بن خلف ومركز ادارة الحكم والعلم والثقافة بفضل جامعها المعمور «إذاك» كعبة الشمال الافريقي جامع الزيتونة الاعظم، هذا الاسم اللاّمع الذي ملأ ذكره الدنيا وشغل الناس وحفّز المادحين والقادحين على حد سواء طيلة ما يزيد عن سبعة قرون من الزمن، اي منذ ولادته سنة 732 هـ الموافق 1332 م وسيبقى كذلك الى ما شاء الله، هو الذي أحسنت الدولة الآن ـ مشكورة ـ ممثلة في وزارة الثقافة سدّد الله خطاها، أحسنت كل منهما صُنعا وفعلت خيرا حين خصصت لاحياء ذكراه ودراسة اثاره ومناقشة افكاره وإظهار مزاياه وخصائصه واجلاء عبقريته وابراز فضله على العرب والمسلمين شرقا ومغربا لأنه فتح طريق البحث امام العقول النيّرة والأفكار السديدة كي تنحو منحاه في الوصول الى الحقيقة الاجتماعية التي ميّز الله بها الانسان دون غيره من المخلوقات وذلك حين قال عن دراية ومعرفة (الانسان مدني بطبعه) فما أروعها مقولة وما أخفها نطقا وما اصدقها حقيقة سرمدية باقية ما بقي الدهر، ولقد اطنب المتحدثون والكتاب قديما وحديثا في عرض التراث الفكري لهذا القطب الثقافي العملاق في مجال الفكر الانساني المتحرر وخصائص المجتمعات البشرية ودولها المتعاقبة في كامل افريقية (المغرب العربي الكبير الان) والاندلس الخ… ومعهما الشرق الادنى مصر وفلسطين وما حولها… ولقد كان قدر ـ لمواطننا التونسي هذا ان يعيش ثلاثة أرباع القرن من السنين او بالضبط (74 سنة شمسية) (من 1332 الى 1406 م) استثمرها كاملة بالطول وبالعرض حيث تقلد خلالها أهم الوظائف السياسية (وساطات حميدة وسفارات ناجحة) والمناصب الادارية كالكتابة الخاصة والخطط القضائية السامية ومهام التربية والتعلم والتدريس العام.
كما تنقل اثناءها عائشا سواحا في غالب أركان الوطن العربي مغربا ومشرقا فمدة حياته
المذكورة (74 سنة) منقسمة على ثلاث محطات مهمة ومتساوية تقريبا من حيث الطول:
- I مدتها (24 سنة الاولى من حياته الحافلة) قضّاها في موطنه الاول اي مسقط رأسه الذي انزاد فيه عام 732 هـ وهو تونس العاصمة الحفصية في المدينة العتيقة ما يعرف الان بنهج تربة الباي في غرة شهر رمضان المعظم بنزول القرآن الكريم، وقضى طفولته معززا في حضن أبويه الكريمين اللّذين جلبا له معلما خاصا لتحفيظ القرآن وتعليم مبادئ اللغة والدين، ثم اقبل على الدراسة بمعقل الثقافة الاصلية جامع الزيتونة الاعظم المنتصب بشموخ وسط المدينة وأسواقها العريقة فأتقن علوم الدين والعربية وأدبها وتضلع في فنون الشعر والنثر والتاريخ والاجتماع وكان مولعا جدا بمطالعة أمهات الكتب للمزيد من تعميق المعرفة وارادة التصحيح والتنقيح والمقابلة حتى صار من اعلم شباب زمانه واترابه وأقدرهم على المجادلة والتعامل الفكري والسياسي مع كل المستويات… وما لبث ان انخرط في وظائف الدولة وتراتيبها عن رغبة واقتدار حيث قلّده السلطان ابراهيم الحفصي خطة الكتابة الخاصة فقام بها وبما يلزمها من سرية وتكتم وتنظيم دقيق احسن قيام رغم حداثة سنّه.
- II مدتها 26 سنة قضاها متنقلا بين المغرب الاوسط (الجزائر) والمغرب الأقصى (المملكة المغربية) والاندلس (اسبانيا) الآن، وذلك انه عندما طارت شهرته وذاع صيته في حذق التراتيب الادارية والتشريفات السلطانية وقواعد التوسط والمجادلة لحل المسائل السياسية المستعصية التحق بالسلطان أبي عنان المريني في (فاس) عام 755 هـ فأصبح من رجال دولته البارزين ولما مات أبو عنان استعمله خلفه على كتابة سره فقام بالمهمة القيام الأمثل بعد عدة سنوات اجتاز البحر ودخل الاندلس فأنزله سلطانها من بني الأحمر في قصره الفخم بغرناط
المزيد