نعي و تعزية جريدة الشعب التونسية السبت 29 سبتمبر 2007

سبتمبر 29th, 2007 كتبها المشرف نشر في , العائلة و الأصدقاء, مقالات في جريدة الشعب 2007

 التعزية و النعي الصادر في جريدة الشعب

المزيد


من شعر الجهاد في الأدب التونسي الحديث

مارس 25th, 2008 كتبها المشرف نشر في , إصلاح ديني, تاريخ تونس, تربية و تعليم, حركة الإصلاح, دين ودنيا, شهادات و ذكريات, فكر و معارف, مقالات في جريدة الشعب 2007


جريدة الشعـــــــــب                         وثائق                    السبت 8 أفريل 2007


من شعر الجهاد في الأدب التونسي الحديث

 


     أبو القاسم الشابي

صالح بن عبد الجليل

المقصود بالأدب التونسي الحديث هنا ما أنتجته القرائح التونسية من شعر ونثر في القرن 20) في حياة كل الشعوب كما في حياة الافراد ـ ايام مشهودة لها توهّج خاص وتميز واضح كاليوم التاسع من شهر افريل 1938 فانه عند الشعب التونسي بأكمله يمثل ذكرى خالدة لحوادث دامية واستشهاد صادق في سبيل الله والوطن، علما بأن الوطنية الصادقة والجهاد في سبيل الله يكملان بعضهما فهما وجهان لعملة واحدة.
ولذلك ورد في الاثر (حب الوطن من الايمان) والا لما دمعت عينا المؤمن الاول نبيّنا محمد عليه الصلاة والسلام وهو يخرج من موطنه ومسقط رأسه مضطرا وباحثا عن النصر لدعوته السمحة وشرعه القويم، ان يوم 9 افريل 1938 الموافق 1356 هـ كان مسرحا لحوادث مفزعة وفواجع مؤلمة خاضها الشعب التونسي في شوارع العاصمة بصبر وايمان لنيل احدى الحسنين: النصر على الاعداء أو الاستشهاد في سبيل الله ضد قوى البغي والاستبداد والتسلط الاستعماري البغيض وحين يجدد شعبنا الكريم هذه الذكرى الخالدة ويترحم على شهدائه البررة الذين سقطوا في ميدان الشرف منادين بالحرية وحياة العزة والكرامة في ظل حكومة برلمانية عادلة ورشيدة لا ينسى في هذه الذكرى الأليمة ما وقع لفلسطين الجريحة في مثل هذا اليوم من عام 1948 وهي مذبحة «دير ياسين» الشهيرة على ايدي شذاذ آفاق العالم ومجرمي الدنيا قاطبة الذين لعنهم الله والناس أجمعون (لُعِنَ الذين كفروا من بني اسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) المائدة 78 كما لا ينسى النكبة الكبرى لبلاد الرافدين في يوم 9 افريل 2003 يوم سقطت بغداد الباسلة في يد الطغاة المجرمين من حكام امريكا وبريطانيا الذين أخذتهم العزة بالاثم فنسوْا بل داسو كل حقوق الانسان ومبادئ الحرية والديمقراطية التي يدعونها في بلادهم، فرحم الله أرواح كل الشهداء والمجاهدين الصادقين في ارض العروبة والاسلام الذائدين عن دينهم وعرضهم واستقلال أوطانهم (ولله العزة ولرسوله وللمؤمين ولكن المنافقين لا يعلمون) 8 ـ المنافقون ـ (ولا تحسبن الذين قتلوافي سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون…) 169 آل عمران. (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون) ابرهيم 42 ـ ولما كان الأدب عموما، والشعر على وجه الخصوص يمثل مرآة حياة الأمة وسِفْر تاريخها وسجل احداثها وامجادها، ذلك ان الشعر البديع هو من الشعور الصادق الذي يغمر الفؤاد فيهزه سرورا أو حزنا ورغبة أو رهبة، وحماسا وفخرا…
وهذا هو الشعر المملوء حكمة وصوابا والمطرّز عبرا وأمثالا وذلك هو الشعر الذي عناه سيد البلغاء ورافع قدر الشعراء المؤمنين عليه افضل الصلاة والتسليم حين قال: (إن من الشعر لحكمة) والحكمة ليست بالامر الهيّن اليسير او المتناول للجميع (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) 269 البقرة، ورحم الله أبا القاسم الشابي نابغة الادب التونسي الحديث وشاعر النخبة الزيتونية الاصيلة في هذا العصر حين قال:

«شعري نفاثة صدري   إن جاش فيه شعوري

لولاه ما انجاب عني  غيم الحياة الخطير

ولا وجدت اكتئابي   ولا وجدت سروري

به تراني حزينا   أبكي بدمع غزير

به تراني طروبا   أجر ذيل حبوري   

… الخ


من ديوانه الوحيد الذي جمعه بنفسه وباغتته المنية قبل طبعه وبعد ان سماه (أغاني الحياة) (ت 1934) ولما كان الشاعر الصادق هو من يمثل قلب الامة النابض وصوت الشعب الصارخ يصدع بشكواه ويحمل آلامه وآماله ويثيره ضد الظلم والطغيان وفساد الاوضاع حين يصدر نغماته التي تحرّك السواكن وتحيي في النفوس أحلامها العذبة وأمانيها الجسام فتنبعث في سبيلها غير عابئة بشيء فيحق الجهاد ويحلو الفداء وتهون التضحية فتكون النتيجة انتصار الحق المغصوب على الباطل الزهوق لأن هذا الاخير يعيش ويتعاظم في غفلة الاول عنه، لما كان كل ذلك كذلك، كان حتما وجود علاقة عضوية بين الشعر التونسي خلال المرحلة الوطنية العصيبة وبين الاحساس الحاد بالغضب نتيجة القهر والآفاق الغارقة في (صدام الدم) مع الأوغاد المعتدين ومن ساعدهم من الرجعيين والمنافقين، على ان (صدام الدم) في الكفاح التحريري الوطني التونسي يعود الى اواخر القرن 19 لما انزعج الشعب التونسي المغلوب على أمره من غَزْوِ بلاده واقتحام جند ا

المزيد


الذكرى 53 لمظاهرة صوت الطالب الزيتوني

فبراير 23rd, 2008 كتبها المشرف نشر في , إصلاح ديني, تاريخ تونس, تاريخ نقابي, تربية و تعليم, حركة الإصلاح, مقالات في جريدة الشعب 2007

جريدة الشعـــــــــب              وجهات نظر                 السبت 17 مارس 2007

في إحياء الذكرى 53 لمظاهرة صوت الطالب الزيتوني



الشيخ الفاضل بن عاشور

وفاء للشهداء وتأصيل للتاريخ الوطني

صالح بن عبد الجليل 

شهر مارس من كل عام شهر احتفالات الشعب التونسي بذكرياته المجيدة وأعياده الوطنية التي بلغها بعد تضحيات متواصلة ونضال مستمر مدة ثلاثة أرباع قرن وزيادة … ومن الأيام المشهودة في شهرمارس يوم نصفه 15 مارس 1954 انه يوم مشهود في منظومة النضال الوطني المشرف للشعب التونسي بكل فئاته الحيّة وفي مقدمتها الطلبة والتلاميذ، ذلك النضال الذي أدى الى الحرية واستقلال البلاد بكل مؤسساتها وترابها عن سيطرة الاستعمار واستغلال عناصره بمكاسب الشعب المكدود وابتزازهم لثروة البلاد وأراضيها ومناجمها وهيمنتهم على مؤسساتها التعليمية الرسمية وتوجيهها وفق السياسة الاستعمارية الغاشمة والهادفة الى تدمير هوية البلاد وشعبها وتحريف تاريخها وتمزيق وحدتها وسلخها في النهاية عن عروبتها ، ودينها ليسهل ابتلاعها وذهاب ريحها كما جرى بصقلية والأندلس اللتين تشهد آثارهما الزاخرة الآن بما تم فيهما من حضارة إنسانية ونهضة عامة أقامها المسلمون وارتحلوا ولسان حالهم يقول:


(تلك آثارنا  تَدُلّ علينا .. فانظروا بعدنا الى الآثار)


إن لمنتصف شهر مارس من عام 1954 منزلة عظمي وموقعا متميزا في الذاكرة الوطنية عموما وفي ذاكرة كل أبناء جامع الزيتونة وفروعه من طلبة وتلاميذ ومدرسين كانوا يومذاك يملؤون  ساحة النضال الشعبي للذوذ  عن مقدسات الأمة في مجال التعلم والتعليم والسياسة والاجتماع في المدن والأرياف في العاصمة وبدواخل  الجامع الأعظم وفروعه التي بلغ عددها في 1950 (25 فرعا) في كامل المملكة بشرق الجزائر تستوعب من الشباب العربي المسلم المتعطش لنور العلم والمعرفة في ظل الحرية والكرامة ما يزيد عن (20 ألف طالب) (انظر ص 212 من كتاب الحركة الأدبية والفكرية في تونس…) في حين كان تعداد كامل الشعب التونسي في ذلك الوقت لا يتعدى  2 مليون ونصف نسمة فما أروعهم في ذلك اليوم الأغر من تاريخ التعليم الزيتوني في عهد الاحتلال فكأنني أرمقهم  وهم يتدافعون بالمناكب تغصّ بهم أبواب الجامع الأعظم وتكتظ ساحاته وعرصاته منسابين  من فروع العاصمة فرع صاحب الطابع والجامع  اليوسفي والحفصي ومدارس سكناهم كمدرسة الجامع  الجديد بحي الصباغين والمدرسة السليمانية والحسينية الكبرى داخل المدينة العتيقة وهم ينساقون في ازدحامهم المتزايد يحملون لافتاتهم المنادية ببعث تعليم زيتوني قومي عصري في مبان حديثة يعيد للشخصية التونسية المسلمة كرامتها وللأمة الاسلامية عزّها وسيادتها فما أروعهم ينسابون وأصواتهم مرتفعة في عنان السماء بالتهليل والتكبير والهتاف بالشعارات الوطنية والمطالبة للحكومة بتنفيذ وعودها في اقامة مبان جامعية كبرى تؤوي هذا التعليم الاصيل عوض المساجد المجعولة أساسا للصلاة وعبادة الشعب الكريم لله رب العالمين وتمكين تلاميذ الآفاق والدواخل القادمين الى العاصمة  لاستكمال تعلمهم الزيتوني الذي بدؤوه بفروع جهاتهم، تمكين هؤلاء التلاميذ من حق السكنى بأماكن صحية مجهزة بما يحفظ الكرامة ويعين على التعلم في ظروف لائقة تقود مسيرتهم هذه وتنظم تحركاتهم وتتكلم باسمهم لدى  السلطة هيئتهم  الرسمية المنبثقة منهم واسمها لجنة (صوت الطالب الزيتوني) التي أسست في آخر الأربعينات على تقوى من الله ورسوله برعاية زعيمهم الشيخ الفاضل بن عاشور الذي كان آنذاك يرأس المنظمة الشغيلة الأم (الاتحاد التونسي للشغل) الناطقة والمدافعة عن حقوق كل الشغالين التونسيين بالساعد والفكر  الى اليوم والتي تكونت بمساعي رواد الحركة النقابية يقودهم الشهيد الخالد فرحات حشاد في 20 جانفي 1946 في اجتماع تأسيسي مهم في رحاب معهد الجمعية الخلدونية التي يديرها الشيخ الفاضل المذكور (انظر تفاصيل كل هذا في ص 13 من جريدة «الشعب» عدد 812  السبت 7 ماي 2005 .
وتوجهت تلك المظاهرة الطالبية الخالصة نحو ساحة الحكومة بالقصبة وبالذات الى وزارة الشؤون الاسلامية مطالبة من خلالها حكومة الباي بتنفيذ ما وعدت به الطلبة والتلاميذ من حقوق مشروعة وأساسية وعادية جدا بمقياس الدراسة والتعليم اليوم ، وما أن وصل المتظاهرون الى الساحة حتى وجدوا البوليس الاستمعاري يحتلها ليمنعهم من الوصول الى غايتهم وتبليغ مطالبهم الى من يهمه الأمر، فأصر المتظاهرون على مطالبهم وصدرت الأوامر الى جندابليس بإطلاق النار على التلاميذ العزل إلا من أصواتهم المادية بحقهم وفعلا نطق البارود إظهارا للقوة الباغية وفرضا لإرادة الحاكمين الطغاة فكانوا بحق ينطبق عليهم قول الشاعر

أسد عليّ وفي الحروب نعامة        
فدخاء تفر من صفير الصّافر 


وما هي إلا لحظات حتى سقط في ساحة الشرف والفداء شبلان من أشبال الزيتونة هما المرحومان محمد الدهماني ومحمد المرزوقي اللذين استشهدا بين أيدي  زملائهم الذين التفوا بهما وحملوهما  الى المدرسة اليوسفية مدرسة الجامع الجديد بالصباغين وجرح وقبض على خلق كثير منهم … وإثر هذه المظاهرة الأليمة أخذت الأمور تتعقد وتسوء في سير التعليم الزيتوني بالتحريض على الاضراب عن الدروس والدخول في كفاح عنيف مع الحكومة المصابة  بالصمم  إزاء الحق المشروع والمتذرعة بالتسويف والمماطلة ربحا للوقت ومغالطة للشعب، وفعلا أعلن الاضراب العام عن الدروس في كامل التعليم الزيتوني بالعاصمة والداخل وقوي في التلاميذ والطلبة الاعتداد بأنفسهم كما قوي في الأمة الاعتداد بهم واتسع الأمل في الانتصار على ايديهم وبلوغ النهضة الثقافية العصرية المتكاملة التي هي المطلب الاساسي من سير الاصلاح الزيتوني برمته منذ مطلع القرن 20 والذي كان شجى في حلق الاستعمار لأن اتجاه السياسة الاستعمارية منذ احتلال فرنسا، لتونس إنما كان لغاية معروفة ومدروسة هي سدّ أبواب التطور

المزيد


كتاب اعلام من الزيتونة تأليف الشيخ محمود شمام/ جريدة الشعب السبت 27 جانفي 2007

نوفمبر 19th, 2007 كتبها المشرف نشر في , إصلاح ديني, تاريخ تونس, تربية و تعليم, حركة الإصلاح, دين ودنيا, فكر و معارف, مقالات في جريدة الشعب 2007

جريدة الشعـــــــــب                  وجهات نظر                  السبت 27 جانفي 2007

منارة جامع الزيتونة

قراءة في كتاب أعلام من الزيتونة تأليف الشيخ محمود شمام


 صالح بن عبد الجليل

على الرغم من الرحلة المضنية والثرية التي قطعها من عمره الطويل، شيخنا الوقور محمود بن البشير شمام المولود بالعاصمة التونسية في شهر محرم الحرام سنة 1331 هـ الملاقي (حسب قوله) شهر ديسمبر 1912 م وقضاها في عرصات المحاكم وعلى منصات القضاء التونسي بمختلف درجاته من الابتدائي الى التعقيب، في عدة مدن وجهات تونسية اخرها الحاضرة مركز الادارة والحكم منذ القرون العديدة،

 ولأنه جذبه الحنين وهزه الشوق الى الوسط العلمي والثقافي الاصيل الذي نشأ فيه وتربى وتخرج منه ودرس به وعرف شيوخه وشبابه واخبارهم جميعا وأجواءهم الظاهرة والخفية متمثلا بما قاله قبله الباجي المسعودي في الحنين الى البيئة الزيتونية العريقة منشأ شبابي وأترابي ومرضعتي ثدي العلوم الذي لا زال يأويني لما كان كل لك كذلك واكثر عقد العزم على ان يتوج نشاطه المتواصل ويرصّع آثاره الفكرية بجوهرة فريدة لامعة فكان هذا الكتاب الضخم (اكثر من 600 صفحة) والأنيق بورقه الصقيل وصوره التاريخية الموضحة وطبعته الفاخرة (اعلام من الزيتونة ج 1) لم يلبث ان أردفه بجزء 2 وأكملهما بـ : اعلام من المدرسة الصادقية واختار لظهور العنوان الاول مناسبة فريدة من نوعها من بداية الاستقلال المجيد وهي الاحتفال الرسمي والقومي بمرور ثلاثة عشر قرنا مضت على تأسيس جامع الزيتونة الذي كان عبر تاريخه الطويل معمورا بأهله من مشائخ أجلاء وطلاب نجباء وخاصة طيلة عهد الاستعمار الفرنسي للمغرب العربي بأقطاره الثلاثة التي اتقدت جذوة الوطنية والنضال التحريري فيها انطلاقا من حلقات دروسه ومحاضرات أعلامه ولقاءاتهم بين عرصاته، وهذا الاحتفال المجيد على مستوى الشعب والحكومة نظمته سلطة العهد الجديد في نهاية عشريتها الاولى اي سنة 1417 هـ الملاقي 1996 في اطار التصالح مع الهوية الاصيلة ورد الاعتبار لهذا المعلم الذي تعطل تعليمه وتوقف نشاطه بضربة ولسان حاله يصيح: سيذكرني قومي اذا جد جدهم. وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر.

قلت في هذه المناسبة الثمينة والفريدة من نوعها في تاريخ تونس المستقلة أبى ابن الزيتونة البار وبقية سلفها الصالح الاستاذ المربي والقاضي الضليع الشيخ الوقور المحترم السيد محمود شمام الا ان يساهم بعمل مشهود فكان هذا الكتاب الذي يشكل سفرا ضخما ومرجعا رائعا يسد ثلمة واسعة في المكتبة التونسية والعربية قاطبة وذلك في مجال التعريب والترجمة الذاتية لعلماء اعلام ومصلحين رواد وشيوخ بررة كاد يلفهم النسيان ويضيع ذكرهم في غمرة الانانية المفرطة والحقد الدفين الموروث عن الاستعمار البغيض ورموزه العاملين بكل الوسائل لمحو هوية البلاد وشعبها العربي المسلم وطمس معالم الثقافة الاصيلة ولغتها النبيلة ومن يحملها ويذود عنها ويضحي في سبيلها طيلة قرن مضى وزيادة (1881 ـ 1981) والناظر في هذا الكتاب وما حوى وما قام به صاحبه ومن وعى سيكتشف انه كتاب وفاء وذكرى، وان عمله تأكيد انتماء لشريحة بارزة في المجتمع التونسي ابان الاحتلال الغاشم الواقف بالمرصاد لكل تحرك وطني اصيل او عمل ايجابي يحمي هوية البلاد ويحفظ مكانتها، وانه كتاب تأريخ لحقبة زاخرة من تاريخ بلادنا برز فيها رجال اعلام مؤسسون في السياسة والصحافة وتوعية الشعب واصلاح حياته ومؤسساته التعليمية والجمعياتية وطبعوا الحياة العلمية والفكرية والثقافية والقضائية في مراكز مثلت الريادة امام سطوة الاجنبي الغاصب لخيرات البلاد والمسيطر على مقدراتها بهدف بناء امبراطورية فرنسية واسعة من وراء البحر المتوسط تمحى فيها الشخصية العربية المسلمة وتندثر الذاتية الوطنية الصادقة، وكثيرا ما نجد المؤلف الكريم يتجاوز الترجمة الشخصية لأعلام الزيتونة الى ابراز جوانب من الاحداث الواقعة في حياتهم ودورهم في معالجتها فهذا الشيخ (عدل الاشهاد) محمد مناشو الذي يندرج من اصل أندلسي استقر أجداده بالعاصمة التونسية وتخرج هو من التعليم الزيتوني ليباشر العدالة والتعليم الحر لتربية الشبان وكان مولعا بالكتابة والنقد والاصلاح في الصحافة والمسرح والنوادي والجعيات حتى عدّه الاستاذان: عز الدين المدني ومحمد السقانجي في كتابهما (رواد التأليف المسرحي) من رواد التأليف المسرحي ومن دعاة النهضة الفكرية والسياسية والاجتماعية الف عدة كتب مدرسية ونظم مجموعة هامة من الاناشيد الوطنية لتلاميذ المدارس وغيرهم وحضر في أول لجنة لاصلاح التع

المزيد


على هامش سنة ابن خلدون: صالح بن عبد الجليل جريدة الشعـــــــــب السبت 11 أوت 2007

أكتوبر 21st, 2007 كتبها المشرف نشر في , إصلاح ديني, تاريخ تونس, حركة الإصلاح, دين ودنيا, فكر و معارف, مقالات في جريدة الشعب 2007

جريدة الشعـــــــــب  السبت 11 أوت 2007

على هامش سنة ابن خلدون:
باقعة الدهر ومربّي الأجيال
صالح بن عبد الجليل

هو عبد الرحمان بن محمد بن خلدون الزيتوني تعلما التونسي نسبة العاصمي موطنا الحضرمي اليمني أصالة، هذا الاسم الكبير الحائز لهذا الحجم العظيم في الفكر والسياسة والمعرفة والثقافة الاصيلة والمنطق السديد، قد انحدر من سلالة عربية لها أمجاد عريضة وعريقة في التاريخ.

إن جدّه الأعلى خالد قد هاجر من حضرموت بجنوب جزيرة العرب الى الاندلس في منتصف القرن الرابع الهجري، ثم نزح جدّه الأدنى من اشبيلية الى تونس في منتصف القرن السابع هجري (13 ميلادي) ليستقر بعاصمة الدولة الحفصية تونس المدينة موطن سابقه المناضل الاستاذ المربي محرز بن خلف ومركز ادارة الحكم والعلم والثقافة بفضل جامعها المعمور «إذاك» كعبة الشمال الافريقي جامع الزيتونة الاعظم، هذا الاسم اللاّمع الذي ملأ ذكره الدنيا وشغل الناس وحفّز المادحين والقادحين على حد سواء طيلة ما يزيد عن سبعة قرون من الزمن، اي منذ ولادته سنة 732 هـ الموافق 1332 م وسيبقى كذلك الى ما شاء الله، هو الذي أحسنت الدولة الآن ـ مشكورة ـ ممثلة في وزارة الثقافة سدّد الله خطاها، أحسنت كل منهما صُنعا وفعلت خيرا حين خصصت لاحياء ذكراه ودراسة اثاره ومناقشة افكاره وإظهار مزاياه  وخصائصه واجلاء عبقريته وابراز فضله على العرب والمسلمين شرقا ومغربا لأنه فتح طريق البحث امام العقول النيّرة والأفكار السديدة كي تنحو منحاه في الوصول الى الحقيقة الاجتماعية التي ميّز الله بها الانسان دون غيره من المخلوقات وذلك حين قال عن دراية ومعرفة (الانسان مدني بطبعه) فما أروعها مقولة وما أخفها نطقا وما اصدقها حقيقة سرمدية باقية ما بقي الدهر، ولقد اطنب المتحدثون والكتاب قديما وحديثا في عرض التراث الفكري لهذا القطب الثقافي العملاق في مجال الفكر الانساني المتحرر وخصائص المجتمعات البشرية ودولها المتعاقبة في كامل افريقية (المغرب العربي الكبير الان) والاندلس الخ… ومعهما الشرق الادنى مصر وفلسطين وما حولها… ولقد كان قدر ـ لمواطننا التونسي هذا ان يعيش ثلاثة أرباع القرن من السنين او بالضبط (74 سنة شمسية) (من 1332 الى 1406 م) استثمرها كاملة بالطول وبالعرض حيث تقلد خلالها أهم الوظائف السياسية (وساطات حميدة وسفارات ناجحة) والمناصب الادارية كالكتابة الخاصة والخطط القضائية السامية ومهام التربية والتعلم والتدريس العام.
كما تنقل اثناءها عائشا سواحا في غالب أركان الوطن العربي مغربا ومشرقا فمدة حياته
المذكورة (74 سنة) منقسمة على ثلاث محطات مهمة ومتساوية تقريبا من حيث الطول:


  • I مدتها (24 سنة الاولى من حياته الحافلة) قضّاها في موطنه الاول اي مسقط رأسه الذي انزاد فيه عام 732 هـ  وهو تونس العاصمة الحفصية في المدينة العتيقة ما يعرف الان بنهج تربة الباي في غرة شهر رمضان المعظم بنزول القرآن الكريم، وقضى طفولته معززا في حضن أبويه الكريمين اللّذين جلبا له معلما خاصا لتحفيظ القرآن وتعليم مبادئ اللغة والدين، ثم اقبل على الدراسة بمعقل الثقافة الاصلية جامع الزيتونة الاعظم المنتصب بشموخ وسط المدينة وأسواقها العريقة فأتقن علوم الدين والعربية وأدبها وتضلع في فنون الشعر والنثر والتاريخ والاجتماع وكان مولعا جدا بمطالعة أمهات الكتب للمزيد من تعميق المعرفة وارادة التصحيح والتنقيح والمقابلة حتى صار من اعلم شباب زمانه واترابه وأقدرهم على المجادلة والتعامل الفكري والسياسي مع كل المستويات… وما لبث ان انخرط في وظائف الدولة وتراتيبها عن رغبة واقتدار حيث قلّده السلطان ابراهيم الحفصي خطة الكتابة الخاصة فقام بها وبما يلزمها من سرية وتكتم وتنظيم دقيق احسن قيام رغم حداثة سنّه.


  • II مدتها 26 سنة قضاها متنقلا بين المغرب الاوسط (الجزائر) والمغرب الأقصى (المملكة المغربية) والاندلس (اسبانيا) الآن، وذلك انه عندما طارت شهرته وذاع صيته في حذق التراتيب الادارية والتشريفات السلطانية وقواعد التوسط والمجادلة لحل المسائل السياسية المستعصية التحق بالسلطان أبي عنان المريني في (فاس) عام 755 هـ فأصبح من رجال دولته البارزين ولما مات أبو عنان استعمله خلفه على كتابة سره فقام بالمهمة القيام الأمثل بعد عدة سنوات اجتاز البحر ودخل الاندلس فأنزله سلطانها من بني الأحمر في قصره الفخم بغرناط

المزيد


آخر مقال للمرحوم الأستاذ صالح بن عبد الجليل في جريدة الشعب التونسية بتاريخ 22 سبتمبر 

سبتمبر 22nd, 2007 كتبها المشرف نشر في , إصلاح ديني, دين ودنيا, مقالات في جريدة الشعب 2007

  • جريدة الشعب 22 سبتمبر 2007 / 10 رمضان 1428

بمناسبة رمضان المعظم:

سماحة الإسلام مع أهله  و مع غير أهله 

صالح بن عبد الجليل

لأنه الدين الخاتم الذي ما بعده شرع سماوي يجدّد للناس ما اندثر ويصحح لهم ما حرّف أو بدل من نصوص الشريعة الصادقة والأحكام الربانيّة التي ارتضاها الله لعباده في الارض قاطبة بشرقها وغربها وبمن فيها من ذريّة آدم كافة ذكورا وإناثا حكاما ومحكومين فقراء واغنياء علماء وجهلاء مرضى وأصحاء، ومن أجل ذلك جاء هذا الدين متميّزا عن كلّ الديانات الاخرى بميزة الشمول مع اليسر والسهولة، ففي حين جاءت الأديان السماوية السابقة عن الاسلام خاصة بأقوامها واوقاتها كما يؤكد القرآن ذلك في قوله تعالى: {ولقد أرسلنا نوحا الى قومه فقال يا قومي اعبدوا اللّه ما لكم من إله غيره، إنّي اخاف عليكم عذابُ يوم عظيم} (57 الاعراف) {ولقد ارسلنا من قبلك رسلاا الى قومهم فجاؤوهم بالبينات} (47 الروم)، وليس ذلك صدفة وانما الحكمة يعلمها الله ربما منها ان البشرية لم تصل في ذلك الوقت الى الحدّ الادنى من النضج والفكر والحسّ المدني او المستوى الحضاري الذي يؤهلها لتلقي تعاليم السماء فيما يخص توحيد الله وتحمّل مسؤولية الاعتقاد في الله وحده والانضباط وفق تلك العقيدة وتعاليمها، وبمرور الزمان وتعاقب الاجيال تحقق ذلك كليا او نسبيا، فأراد الله ان يختم الرسالة ويعمّمها لكل البشر في كامل الارض فكان الاسلام هو الرسالة الخاتمة والشريعة العامة {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} 85 ـ آل عمران {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله} 33 ـ التوبة.
ويخاطب الله رسوله مباشرة في أكثر من موقع من القرآن العظيم: {وأرسلناك للناس رسولا وكفى باللّه شهيدا} 79 ـ النساء، {وما أرسلناك الا كافة للناس بشيرا ونذيرا} 28 ـ سبأ، {وما ارسلناك الا رحمة للعالمين} 107 ـ الانبياء. ولكي تتحقق هذه الشمولية لتتسع لجميع الناس ويطبّقها كل المكلفين جاءت الخاصية الثانية والاهمّ وهي يسر أحكام الإسلام في العبادات والمعاملات مع سهولة العمل بها من طرف الناس أجمعين، فكان هذا التيسير في العبادة لله والمعاملة مع الناس والاخلاق والسلوك واضحا في نداءات الشريعة واحكامها وعقائدها واصولها وفروعها ومقاصدها… وهنا تتجسم سماحة الاسلام وليونة تعاليمه في غير ضعف ولا تسيّب مع أهله وغير أهله مراعاة لأحوال كل البشر وما يعترضهم من قوّة وضعف وصحة ومرض وسفر وإقامة وغنى وفقر…، لأن الله تعالى هو العليم بخلقه المطلع على سرهم ونجواهم في حلّهم وترحالهم {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} 14 ـ الملك وهذا اللين في غير شدّة والتيسير في غير عسر القصد منه رفع المشقة وعدم إعنات الناس لتتشكل الخاصية المميزة للدين الاسلامي والعنصر الضامن لصموده وعمومه واستمراره الى ان يرث  الله الارض ومن عليها وهو خير الوارثين، وقد تعددت الآيات والنصوص من الكتاب والسنّة الدّالة كلها على اليسر في الفهم والتيسير في العمل بأحكام شريعة الله السمحة منها: {يريدالله ان يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا} 28 ـ النساء {يريد الله بكم اليسر ولا يريدبكم العسر…} 185 ـ البقرة واليسر في اللغة وعند الفقهاء هو حقيقة كل عمل لا يجهد النفس ولا يثقل الجسم وعكسه العسر اي الذي يجهد النفس ويضرّ البدن و{لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا} 7 ـ الطلاق {ما جعل عليكم في الدين من حرج} 78 ـ الحج والحرج هو المشقة التي تحرج صاحبها وتقلقه لانها زائدة عن قدرته واستطاعته ولذلك قال العليم القدير: {فأتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا} 16 ـ التغابن، وفي الهدى النبوي الرشيد يقول عليه الصلاة والسلام: {ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم} حديث صحيح رواه البخاري ومسلم.
وفي القسم الاول من هذا المجال الواسع الرحب مجال سماحة الاسلام مع اهله نبدأ بباب التكاليف على مستوى الفرد بعينه انطلاقا من الاساس اي من قواعد الاسلام الخمسة التي جعلها  ميسرة في مطلوباتها واضحة في ادلتها ومقاصدها من الايمان بالله واسمائه وصفاته وكماله وايمان بالملائكة والكتب والنبيئين وباليوم الاخر مع القضاء والقدر والدلائل عليها كلها ظاهرة من خلال اعمال العقل وامعان النظرفي السماوات والارض وما بينهما من سائر الموجودات وفي الاعتبار بآثار الامم السابقة والاقوام المنقرضة من خلال قصص القرآن واخبار الانبياء السابقين مع الفراعنة المتجبّرين واقوام عاد وثمود واصحاب الأيْكة وقوم تبع وقوم لوط وغيرهم من المنحرفين عن الجادة والسلوك الرشيد فكانت الاوامر والنواهي او أحكام هذه التكاليف التعبديّة لا تخرج عن قدرة المكلفين  بها ومراعاة أحوالهم المعرّضة للتغيير باستمرار،  ومن اراد الخروج عن هذه القاعدة فهو متنطع، والمأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال اكثر من مرة {هلك المتنطعون}، وهذا الصحابي الجليل عبد الله ابن مسعود يقول» {إياكم والتنطع اياكم والتعمق وعليكم بما كان عليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) واصحابه وهو اليسر والبعد عن التشدد ومظاهر التكلّف…} وذلك هو مسلك اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم والمقتدين بهم في العبادة والمعاملة فإذا كانت اهم العبادات واعظمها بعد الاقرار بوجود الله وتوحيده ونبوّة محمد صلى الله عليه وسلم هي الصلاة التي تكرر الامر بها في اكثر من آية من القرآن الكريم مثل:{وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الرّاكعين} 43 ـ البقرة {فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة  وأطيعوا الله ورسوله} 13 ـ المجادلة {فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا باللّه هو مولاكم} 78 ـ الحج ـ وجعلها الرسول صلى الله عليه وسلم علامة الايمان البارزة او الحدّ الفاصل بين الكفر والايمان ـ كما اخرج الامام مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه انه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {ان بين الرجل وبين الشرك (او الكفر) ترك الصلاة} ونقل عن عبد الله بن مسعود انه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم اي العمل افضل؟ فقال (الصلاة لوقتها) (انظر ص 13 من مختصر صحيح مسلم) هذه الصلاة المفروضة والمؤكد عليها في الكتاب والسنة)  حاطها الدين بكل ظروف التيسير والتخفيف بداية من وقتها الى كيفية ادائها واصلاحها حتى لا يتخلف أحد عن القيام بها وبالتالي لا يُحرم من اجرها وثوابها فأوقاتها ربطت ببساطة بطلوع الفجر وزوال الشمس وظلها وغروبها وقبلت

المزيد


العلاّمة محمد الطّاهر بن عاشور في ذكراه الرابعة و الثلاثين - جريدة الشعب 8 سبتمبر 2007

سبتمبر 8th, 2007 كتبها المشرف نشر في , إصلاح ديني, تاريخ تونس, تربية و تعليم, حركة الإصلاح, دين ودنيا, مقالات في جريدة الشعب 2007

جريدة الشعـــــــــب ذكريات السبت 8 سبتمبر 2007

من رموز العلم والإصلاح التربوي الأستاذ الحجّة المجتهد العلاّمة:  

محمد الطّاهر بن عاشور في ذكراه (34): (1296 ـ 1393هـ) (1877 ـ 1973م)ء

الشيخ محمد الطاهر بن عاشور بين مجموعة من طلبته

لهذه الأسباب تم اختياره عضوا عاملا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة

صالح بن عبد الجليل 


لقد أدركته في أوّل فجر الاستقلال وقد بلغ من الكبر عتيّا (80 سنة) وأنا في السنة الخامسة من التعليم الثانوي الزيتوني يوم كنت نازلا بالمدرسة الشمّاعية في سوق البلاغجية قرب جامع الزيتونة وأدرس بجامع سيدي البشير في باب الفلّة المواد السمعيّة من فقه وأصوله وتفسير مذاهبه وحديثه ورجاله والمواد الكتابيّة الأخرى في مكتب ابن عبد اللّه معهد ابن رشد حومة الصبّاغين وهي الرياضيات والعلوم الطبيعية والتّاريخ والجغرافيا والفرنسية وفنون العربية نحوًا وصرفًا وبلاغة،

 وكنت أتردّد في غير أوقات الدّراسة على المكتبة العبدليّة للمطالعة وهي الكائنة على يمين الداخل من الباب الرئيسي الشرقي لجامع الزيتونة من صحن الجنائز  وكان الجامع قبل ذلك العام معمورًا بأهله من فحول العلماء والمشائخ الأجلاّء وتلاميذهم النجباء من شباب تونس المتوثبة والجزائر المناضلة وغيرهم، وقد كان رحمه الله يتردّد على تلك المكتبة في قسمها الداخلي (المقصورة) لضبط واحصاء وصيانة المخطوطات الثمينة المتراكمة فيها، فكنّا ونحن تلاميذ لم نتجاوز العقد الثاني من العمر نرمُقه وهو يجتاز صفوف المطالعين في صمت عنيف وحيويّة لا تناسب 80 سنة كالحبّة المارقة من الذّخيرة الحيّة، وكان في ذلك الوقت قد أُزيح عن مشيخة الجامع وفروعه لتحلّ محلّه وزارة التربية الوطنية التي جمعت تحت أنظارها جميع أصناف التعليم الموجودة طيلة عهد الاستعمار البغيض الذي جاء بإدارة العلوم والمعارف الفرنسية لتوجه التعليم الرسمي الحكومي (الفرنكو غرب) بطريقة الفرنكفونية الاستعمارية الراسخة، فلمّا توحّد التعليم بحكم استقلال البلاد كان التعليم الأصلي بمراحله كلّها بالعاصمة والدواخل هو كبش الفداء لهذا التوحيد بحيث ألغي كلّيا شكلا ومضمونا وحوته وزارة المعارف فأفرغت أصله وسمّت فروعه المعاهد الثانوية الزيتونية وأوقفت مددها من التلاميذ في انتظار أن تُكمّل مشوارها بمن فيها من التلاميذ والمدرّسين، أمّا تعليمه العالي فقد أُحدثت له (الكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين) وجُعل مقرّها موضع إدارة الأوقاف المنحلّة والكائنة في نهج جامع الزيتونة الآن قبالة مكتبة النجاح وقد كان يسمّى (نهج الكنيسة) لأنّ فرنسا فتحت به كنيسة صغيرة هي الآن فرع بلدي لبلدية العاصمة وعُيّن على رأس هذه الكلّية التي كادت تكون فارغة تماما في أوّل أمرها لأنّ كل المتخرّجين من طلبة وتلاميذ الجامع وحتّى فروعه بشهادة التحصيل أو (الأهلية) كلّهم وغيرهم قد استوعبتهم الأماكن الشاغرة ضمن الوظائف الحكومية بحكم استقلال البلاد وخروج الأجانب منها في التعليم وخاصّة الابتدائي لما فيه من احداثات واسعة والأمن بقسميه والجيش الوطني والعدلية والمالية والبلديات.. الخ.. ممّا جنّب وقوع البلاد في بدء استقلالها في أي عجز إداري أو تسيير ذاتي عكس ما وقع في الجزائر المجاورة الخالية من مثل جامع الزيتونة إلاّ من بعض محظوظي أبنائها الدارسين بالجامع في تونس، والفضل كلّه للّه وحده ولأسلافنا وأجدادنا الفضلاء الذين حافظوا وعملوا بالفكر وبالساعد على استمرارية العمل الدؤوب بهذا المعقل الأصيل للتعليم والتربية طيلة ما يزيد عن ألف سنة بداية من 114 هـ في عهد الوالي الأموي عبد الله بن الحبحاب ثمّ ما لبث أن أصبح يؤدّي دوره التعليمي الأصيل إلى جانب دوره التعبّدي المقدّس الأوّل عبر العصور والدول إلى عهد الاستعمار الفرنسي (75 عاما) الذي حاول بكلّ جهده أكثر من مرّة وضع يده عليه وتسييره كما يسيّر بقيّة المعاهد التعليمية الأخرى فلم يتمكّن من ذلك إلى أن جاء عهد الاستقلال المجيد فعطّل المسيرة وأسقط التعليم الأصلي بالضربة القاضية والنهائية وأظهر التعليم الرسمي الذي كان امتدادا لتعليم إدارة العلوم والمعارف الفرنسية تقريبا ورئيسها الاستعماري العريق القادم من الجزائر المستشرق الماكر «ماشويل» وقد كان لشيخنا الوقور صولات وجولات إصلاحية مشهودة لتعليم هذا المعهد العريق منذ مطلع القرن 20 عقب تخرّجه من الدراسة فيه حيث كان شابّا نشيطا متشبّعا علما ومعرفة ونضجا وطنيّا وغيرة على الأصالة والإسلام والمسلمين في هذه الربوع يعمل مدرّسا ناجحا في المعهدين الأصيلين جامع الزيتونة والمعهد الصادقي المحدث لمؤازرة ودعم التعليم الزيتوني من عهد خير الدين باشا الذي كان يلتهب شوقا ويندفع حماسا لخدمة الأمّة وتحقيق مناعتها في وجه الغاصبين المتربّصين بها من كل جانب مثله في ذلك مثل جمال الدين ورفيقه محمد عبده بمصر وثالثهما عبد الرحمان الكواكبي بدمشق الشام وكلّهم سواء في مقارعة الخطوب المحيطة بالأمّة ومقاومة طبائع الاستبداد والمعضلات الاجتماعية والسياسية المعرقلة للتقدّم الشامل وتحقيق نتائجه البعيدة الأثر والمتسامية عن مظاهر الانحلال ونشر الفساد، ولقد قضّى معظم حياته وعمره الطويل المبارك في التعليم والتربية برحاب كعبة العلوم والمعارف الشرعية واللّغوية والأدبيّة، وكان مغرما بالآداب العربية وفقه لغتها والتفنّن في أسرارها العميقة واشتقاقاتها المتشعّبة في صرفها ونحوها وبيانها وبديعها شعرا ونثرا، وشعاره هو: لا تلمني في هواها.. أنا لا أهوى سواها، ما لقومي ضيّعوها.. فدهاهم ما دهاها.. وكان مهتمّا خاصّة بشرح (ديوان الحماسة) للبحتري فقد أبدى فيه ضلاعة وامتيازا دلّتا على سموّ الذّوق وعمق التحليل وسعة الإطلاع، يقول أحد تلاميذه ومريديه (كنّا نفزع الى حلقة دروسه وكُلّنا آذان صاغية مبهوتين بمتانة اللّغة وسلامة العبارة وحسن الانتقاء والاستشهاد بما يدعم رأيه ويعزّز مذهبه في الشرح والبيان… فكان طرازا جديدا علينا يشدّنا الى متابعته ويهزّنا بصرامة إلقائه واستشهاداته البليغة الفصيحة من الشعر الجيّد والنثر المتين الذي يحفظه من ديوان الحماسة وشروحه… ودرسه كان يستمر دون انقطاع مُدّة تربو عن الساعتين لا يرجع إلى ورقة ولا إلى كتاب معه في تسلسل ممتع وأسلوب رائق عميق يناقش المؤلّفين والمفسّرين والشرّاح ويقرع حججهم بحجّته ويردّ تخريجاتهم يُلقيها من عنده بعد أن يصقلها صقلا عجيبا… الخ) من كتاب أعلام من الزيتونة ج 1 بداية من ص 240، وهو أوّل ما ظهر في موضوعه سنة 1996 تـ: الشيخ القاضي محمود شمّام. وإلى جانب التّدريس بالمعهدين الأصيلين (الزيتونة والصادقية) كان لا يفتأ يشارك في نشاط الجمعيات الثقافية بالمحاضرات والتوجيه فكانت محاضراته على منبر جمعية قدماء الصادقية (تـ 1875م) والجمعية الخلدونية (تـ 1886م) لا تكاد تتوقّف أو تنقطع إلى جانب التحرير في الصّحف والمجلاّت السيّارة… حتّى طارت شهرته لا بين الطلبة والأساتذة فقط بل في أوساط الشعب ونُخبه المثقفة بل حتّى خارج البلاد فقد وقع اختياره عضوا عاملا رسميّا بمجمع اللّغة العربيّة بالقاهرة والمجمع العلمي بدمشق الشام بعد أن عيّنته حكومة الباي في تونس عضوا قارّا في (النظارة العلمية) السّاهرة على سير وإصلاح التعليم الأصلي في جامع الزيتونة وكانت هذه فرصته المرتقبة للإصداع بآرائه الإصلاحية للتعليم عموما من حيث المناهج والمحتوى وللتعليم الزيتوني خاصّة من حيث الطّرق والممارسة فكان همّه الشاغل أن يُحوّله إلى مؤسسة علمية عصريّة مستنيرة وأصيلة وشاملة لتوجّهات الحياة ومستجيبة لمطالب الأمّة وحاجاتها المستحدثة دون تنكّر لعراقتها ومجدها الرّاسخ وقد دوّن آراءه الإصلاحية هذه في كتابه المفقود الآن (أليس الصبح بقريب) وفيه من الإيحاء بمطالب الناشئة التونسية الزيتونية بالخصوص ما يستحق التوقّف والاهتمام كالخروج من عتمة التزمّت العلمي والعيش في بطون الكتب الصّفراء وتحت أقبيّة الجوامع والأماكن العتيقة والمتداعية إلى آفاق الحداثة الواعية والفضاءات الصحّية اللاّئقة بعمر الشباب وحياة العصر ونهضته.



 المشروع الإصلاحي القويم:

هو الذي يجذّر أصالة التعليم والثقافة ويُبقي على مقوّمات الهويّة ويعمّق الإحساس بالانتماء الحضاري للعروبة والإسلام في هذه المنطقة وغيرها… وهذا ما عمل على تحقيقه شيخنا الطاهر بن عاشور رمز الدعوة الإصلاحية التعليمية في زمانه بتونس خصوصا بعد زيارة الداعية المربّي الشيخ محمد عبده الأولى والثانية حيث حاضر على منبر الخلدونية داعيا إلى هذا المشروع الإصلاحي التربوي الشامل للتعليم بالأزهر والزيتونة في ذلك الوقت وطارت شهرة شيخنا الكريم بدعوته الملحّة إلى إصلاح برامج التعليم الزيتوني وطرق تدريسه وأساليب نهضته وتوعيّة رجال التعليم فيه الذين يمثّلون في نظر الشيخ حجر الزاوية في هذا الإصلاح المنشود ضاربا صفحا عن عرقلة المتزمّتين والمتحجّرين منهم المتشبّثين بإبقاء ما كان على ما كان…، وإصلاح التعليم عند الشيخ ينطلق في حياة الطفل ابتداء من ترسيخ تعليم اللّغة العربيّة وتثبيت قواعدها والغوص مع اشتقاقها وفنونها والاستمتاع بآدابها لتكون الأداة الطيّعة لفهم الدين الإسلامي عقيدة وشريعة ومعاملة من مصادره الأساسية والإبحار في فسيح مقاصد الشريعة وأصول التشريع الإسلامي… بما يضمن للمسلم المعاصر الصلاح والف

المزيد